1 نتيجة بحث عن أشأم_توأم

كاتب الموضوعرسالة
الوسم أشأم_توأم على المنتدى نوسا البحر T11موضوع: سلاسة السلاسل مجموعة قصص قصيرة جديدة ليوسف زيدان
hassanbalam

المساهمات: 2
مشاهدة: 587

ابحث في: مرتفعات أو سوناتا الكلام   الوسم أشأم_توأم على المنتدى نوسا البحر Emptyموضوع: سلاسة السلاسل مجموعة قصص قصيرة جديدة ليوسف زيدان    الوسم أشأم_توأم على المنتدى نوسا البحر Icon_minitime2016-12-14, 4:47 pm
#زاوية_الحلنتيتى

أهل الحارة البحرية احتاروا فى أم جارهم «محمود محمد أحمد» الذى يلقبه الجيران «جدو» لأنه بلغ من العمر عتياً، فما عاد يعلم من بعد ما يدور حوله، وما عادوا يعلمون سر إصراره على البقاء بشقته الرطبة، وامتناعه عن الذهاب لأى مستشفى على الرغم من معاناته خرف الشيخوخة. يقال إنه تخطى السبعين، ويقال بل تعدى الثمانين، ويقول الحاج «حسان» صاحب المخبز المفتوح علی الميدان ببابين إنه تخطى المائة! وهذا بالطبع مشكوك فيه، مثلما هو الحال فى كل ما يؤكده الحاج حسان.

الجيران القدامى يقولون إنهم وجدوا «جدو محمود» عندما جاءوا للسكنى، فهو السابق الذى لم يسبقه أحد، وحسب قولهم كان يسكن معه ابنه الأشيب الأعزب المتوفى لاحقاً فى حادثة مرور غير مفهومة، وامرأته العجوز التى لم يرها أحد شابة، ماتت من دون حوادث، ودفنها زوجها إلى جوار ابنها فى مقابر الصدقة، ولم يتلق فيهما عزاء، وانزوى منذ ذاك الحين فى شقته الشبيهة بالكهوف الدهليزية.

الشقة التى ينتظر فيها الموت، هى الطابق الأرضى من آخر بيت فى الحارة، وهى منخفضة عن الأرض بدرجتين، لأن البيت عتيق، وجدرانها التى لا لون لها يعلو مواضعها المنخفضة اخضرار شبيه بالطحلب، لكنه مائل إلى الاسوداد، عند الهبوط إليها من مدخل البيت، تجد على يسارك باب الشقة الخشبى المتهالك، وخلفه صالة كالممر فى آخرها مطبخ لا باب له، ودورة مياه لا ينغلق بابها، ومفتوح على الصالة حجرتان، الداخلية منهما فيها السرير النحاسى المعوجة قوائمه، وفى الخارجية المطلة على الحارة شباك يكشف انخفاضه ما فيها من كراسى متكسرة وصندوق كبير ردىء النجارة.. لو كان الناس يسمون الشقق التى يسكنون، لكان اسم هذه الشقة: البؤس الغامض.

■■■

قبل وفاة «جدو محمود» بشهور، جاء قريب له فأقام معه ليعتنى به ويعينه على احتمال وطأة الشيخوخة، وقد استحسن سكان الحارتين والزقاق، ما فعله هذا القريب أشعث الشعر دائم التبسم للناس وإلقاء السلام على العابرين، وكانوا يردون على تحيته وعلى ابتسامته بالكلام والابتسام، ومع ذلك كانوا يستغربون من نومه على الأرض فى الغرفة المطلة على الحارة، وهى المكشوفة تماماً للعابرين، وشباكها مفتوح. وكانوا يلاحظون أن الشيخ الفانى «جدو محمود» ما عاد يظهر مرة كل صباح، مثلما كان يفعل طيلة السنوات الطوال.. الجيران سألوا عنه قريبه فقال إنه يرتاح على سريره، ثم قال إنه لم يعد قادراً على الحركة، ثم قال إنه لم يعد يأكل ويعيش على نصف كوب من عصير القصب يشربه حسواً كل صباح. وسألوا قريبه عن اسمه فقال «فاضل»، وعن درجة القرابة فقال إنه ابن أخيه الأصغر «مسعود» وعن عمله فقال إنه متفرغ لفعل الخير والأعمال التطوعية ابتغاء ثواب الآخرة.

يوم وفاة «جدو محمود» أصر ابن أخيه على تلقى العزاء بالشقة، ورفض تبرع بعض الجيران لإقامة سرادق بالحارة الضيقة أو الزقاق الأوسع قليلاً أو دار المناسبات القريبة من الميدان القريب. قال إنه لا يجوز إقامة المعازى فى مواضع الأعراس، ولا يصح التضييق على الجيران بالسرادق الساد للطريق، ولا يقبل الصدقات المسماة تلطيفاً تبرعات.. استمر العزاء دون داع، ثلاثة أيام، قال «فاضل مسعود الحلتيتى» إن ذلك هو المعتاد فى قريتهم، ولابد من الحفاظ على التقاليد والقيم الموروثة، وخلال الأيام الثلاثة، كان يأتى معزون يرتدون الجلابيب، ويبقى بعضهم فى الشقة مقيماً مع «فاضل» حتى صاروا قرابة العشرة أشخاص.. لم يهتم أحد بوجود هؤلاء إلا مالك البيت الأستاذ «حامد شحاتة» الذى كان أبوه قد اشترى البيت قبل عشرات السنين بمبلغ زهيد، يصفه كبار السن بأنه «تراب الفلوس» مع أن الفلوس ليست أحجاراً تحتك حوافها فتكون منها الأتربة.

بعد انتهاء العزاء، خلع مالك البيت رداء الوقار المصطنع وذهب مع اثنين من الجيران لإخبار «فاضل» بأنه ينوى ترميم مدخل البيت ودهان واجهته، وكان سابقاً يتحرج من إزعاج المرحوم، أما الآن فيجب إخلاء الشقة، تمهيداً لتخزين اللوازم والبدء فى العمل فوراً من بعد غد.. أظهر «فاضل» الحرج المصطنع وهو يقول إن ظروفه المالية لا تسمح حالياً بالمساهمة فى ترميم البيت، فصاح صاحب البيت: انت حدّ طلب منك حاجة؟ وتساهم أصلاً بصفتك إيه!

ــ ساكن..

نعم يا اخويا، إنت ساكن هنا!

ــ طبعاً، كنت ساكن مع المرحوم عمى.

ــ عمك مين؟

ــ عمى المرحوم.. وعموماً، أول كل شهر هادفع الإيجار، يعنى الاتنين جنيه.. ولو تحب، ممكن أدفع لك مقدم بالسنة، بس طبعاً لازم الأول تغير عقد الإيجار باسمى، ده حقى القانونى، ولعن الله قوماً ضاع الحق بينهم.

نظر مالك البيت إلى جاريه كالمستنجد، فتكلم أحدهما على مهل قائلاً إن «المرحوم» عاش عشرات السنين هنا، دون أن يعرف الجيران أقرباء له، وكان من المعروف عنه أنه مقطوع من شجرة! فقاطعه «فاضل مسعود» بصوت عال، مؤكداً أن عائلتهم كبيرة العدد وفيها من الرجال ما يسد عين الشمس.

وكأن هذه الكلمة «عين الشمس» كانت الإشارة المتفق عليها، لأنه فور نطقه بها أتى من الغرفة الأخرى. الرجال الغرباء الذين جاءوا للعزاء، فأقاموا، وكانت وجوههم طافحة بعلامات الغيظ المصطنع. ملأوا زوايا الغرفة وتداخلت أصواتهم ذات اللكنة الريفية، فتطايرت فى سماء الغرفة عبارات من مثل: حقنا محفوظ ومحدش يقدر يظلمنا.. هى الناس جرى لها إيه، بس ربنا موجود.. إحنا نروح القسم.. إلى يفرط النهارده فى أرضه، بكرة يفرط فى عرضه..

إحنا محدش يقدر يضحك علينا! ولما أشار إليهم «فاضل مسعود» بالسكوت ولم يسكتوا، قام فصفع أحدهم بقوة فاستجابوا إلى إشارته التى كانت مهملة، والتزموا جميعاً بصمت ظاهره سكون القبور، وباطنه حقد يمور. كان الجيران قد تجمعوا أمام الشباك يشاهدون الجدال الذى احتد، والحيرة تطل من عيونهم والهمهمات تعلو فيما بينهم، بما يدل على تفرق آرائهم كالمعتاد فى كل المواقف.. قال مالك البيت إن «المرحوم» لا يطابق اسمه اسم المدعى، فقاطعه:

أنا اسمى فاضل مسعود محمد أحمد، وعندى إثباتات، والمرحوم عمى اسمه «محمود محمد أحمد» ولقب العيلة بتاعتنا «الحلتيتى» بس ماهوش مكتوب فى الورق الرسمى.

ــ يعنى علشان فيه تشابه مالوش لازمة، عايز تستولى على الشقة إلى بقى لى عشرين سنة منتظرها! ده كلام برضه.

ــ أيوه هو ده الكلام، وأنا على العموم كنت حاسس إن هاتحصل مشاكل، وعلشان كده عملت لك النهارده الصبح محضر فى القسم.

ــ محضر!

ــ أيوه، عدم تعدى.. يعنى اوعى تفتكر تعتدى علينا.

ــ أنا اعتدى عليك إنت والبغال دول، إزاى يعنى.

«إنت راجل قليل الأدب» قال ذلك أحد البغال الذين كانوا معزين ثم صاروا معاونين، وقذف مالك البيت بقطعة خشب من تلك المسندة فى زوايا الغرفة، فالتهبت الأجواء وساد الهرج. أسرع مالك البيت وصاحباه بالهروب، فزعين، خصوصا أن «فاضل مسعود الحلتيتى» أخرج من بين طيات ملابسه سكيناً، وأغلق أحد معاونيه الشباك فحرم الجيران المتجمعين كالخراف من متعة المشاهدة. وكما هو متفق عليه سلفاً، جرح «فاضل» كتفه بالسكين فتلطخ جلبابه بالدم، وخرج يجرى أمام الجميع قاصداً المستشفى الحكومى القريب للحصول على تقرير طبى يُرفقه بالمحضر، وخياطة جرحه غير الغائر.

لم تنجح جلسة الصلح التى عقدت بآخر الحارة، فذهب الطرفان إلى المحكمة الحكومية التى قضت كالمعتاد بأحقية «فاضل الحلتيتى» فى الحصول على عقد إيجار باعتباره وريثاً لعمه المتوفى. مع أن عمه لم يكن يملك شيئاً كى يورثه. وصار صاحب البيت خائفا يترقب، ومهدداً بعقوبة اعتدائه المزعوم على الوريث المزعوم الذى صار مالكاً للشقة طيلة العمر، بعقد إيجار رسمى.. ويوم صدور الحكم لصالح «فاضل» بعد شهور التقاضى، رفض المبلغ الكبير المقترح للتنازل عن (حقه) فى الشقة، وأعلن للجميع أنه سوف يقابل سيئات مالك البيت بالحسنى، ويتنازل عن (حقه) فى واقعة الاعتداء عليه بالسكين، ليس من أجل صاحب البيت وإنما لأجل خاطر أولاده الصغار الذين قد يتشردون إذا دخل أبوهم السجن عقاباً على ما اقترف.. وعبثاً ظل صاحب البيت يقول إنه لم يقترف شيئاً، فقمعه الجيران بقولهم إنه لا داعى الآن لتقليب المواجع، وأعلنوا العبارة المعتادة: الصلح خير.

■■■

هدأت الأمور عدة شهور، ثم عاد الخلاف من جديد بين «فاضل» وصاحب البيت، فتشاغل أهل الحارة مجدداً بمجريات الأحداث التى بدأت بقيام «فاضل الحلتيتى» بفتح شباك الغرفة المطلة على الحارة، وفرش أرضيتها بالموكيت الأخضر، لتحويلها إلى مصلى مفتوح. مالك البيت اعترض فلم يجد مستمعاً لاعتراضه، وذهب إلى قسم الشرطة لتحرير محضر فقالوا له هناك: اتق الله.

الأستاذ «زكى قزمان» الساكن فى الطابق الثانى من البيت، أقنع صاحبه «حامد شحاتة» بتقديم شكوى لمكتب أمن الدولة، تتضمن بلاغاً بأن شباباً ملتحين يأتون إلى المصلى فجراً بجلابيب بيضاء لأداء الصلوات، وهم غرباء عن المنطقة. ارتجف قلب صاحب البيت، وشطحت أفكاره شهراً، ثم استجاب لهمس الأستاذ «زكى» واطمأن حين أبلغه بأنه سيذهب معه لتقديم البلاغ، وذهبا معاً مرتعدى الفرائص يتلفتان. وبعد انتظار طويل قابلهما هناك رجل متجهم، أنصت إليهما طويلاً حتى انتهيا ثم قال بوجه عابس: خليكم فى حالكم.

فى طريق عودتهما إلى الحارة فرحين بالنجاة من المجهول، وصامتين تماماً، قرر كل واحد منهما قطع صلته بالآخر ندماً على الاندفاع الذى كان منهما. وعند وصولهما وجدا «فاضل الحلتيتى» يضع على الرصيف المجاور للباب فاترينة «خشبية» لبيع المسبحات الملونة وزجاجات العطر الصغيرة والمصاحف. الرصيف والفاترينة لا يزيد عرض كليهما عن شبرين. وطبعا التزما الصمت ولم يعلق أحدهما بكلمة، فقال لهما «فاضل» رداً على السلام الذى لم يتفوها به: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مع مرور الأيام، تغيرت هيئة «فاضل» وصورته، فصار بديناً حليق الرأس والشارب، عابساً، طويل اللحية، يحوطه دوماً جماعة من الشباب النحيل الملتحى الذين يغضون البصر تأدبا حين يسمعون صوت امرأة، وحين تمر بهم أنثى أو يمرون بها.. وفى فترة قصيرة تالية، جرت عجائب كثيرة كان منها أن بعض الجيران صاروا يتبرعون للزاوية التى عمرت، ويتوقون للقاء «فاضل الحلتيتى» فى غرفته الداخلية ليفتيهم فى الأمور المهمة مثل رد يمين الطلاق، والطريق الشرعية الواجبة عند الدخول على الزوجات وإلى المراحيض والأدعية اللازم تلاوتها عند الصحو من النوم والنوم من الصحو، وما بينهما من أوقات وأفعال وحركات وسكنات. واعتاد الجيران العجائب، إلا من كان منهم ضعيف الإيمان زائغ اليقين مريض الوجدان، وصارت الزاوية قِبلة لكثيرين من سكان المنطقة واشتهرت الحارة التى كانت دوماً بلا اسم، باسم: حارة زاوية الحلتيتى.

■■■

«دوام الحال من المحال» هذا ما قاله الأتقياء من الجيران تعليقاً على الفتن التى أقبلت على الزاوية مثل قطع الليل المظلم، بعدما كان هذا المكان واحة استراحة للقلوب المملوءة باليقين التام. واجتهد بعض هؤلاء الأتقياء فى تفسير الاضطرابات الأخيرة، مؤكداً أن الشيطان سلط أعوانه المجرمين للنيل من الصفوة المخلصين. وانفرد «زكى قزمان» بتفسير غريب ظل يهمس به فيرفضه معظم السامعين، خلاصته غير المفهومة أن الحارة تعرضت لغزو فكرى! كان كثيرون يضحكون من هذا التفسير التأويلى الحلزونى المذموم.. أما الفتن التى حدثت فأثارت كل هذه التفسيرات والتأويلات، فقد بدأت عندما قال شاب جامعى جاهل يدرس بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، إن المحراب المرسوم على جدار زاوية الحلتيتى، وإليه يتوجه المصلون، لا يشير بدقة إلى القبلة! وقد بلغ هذا الكلام مسامع الشيخ فاضل فرد عليه بكلمتين كانتا هما الأبلغ، قال: وأينما تولوا.

الشاب الجاهل الجهول لم يكف عن ترديد الترهات المؤذية لحضرة الشيخ، ولم يتعظ عندما ساق الله فى طريقه مجموعة من الرجال الأشداء، الذين طرحوه أرضاً وأوسعوه ضرباً، وادعى أنهم كانوا من أعوان الشيخ، لكن معظم الناس لم يصدقوا كذبه، وقالوا إنها مجرد مصادفة، فخافت عليه أمه من تكرار وقوع المصادفات وأرسلته ليعيش مع خالته فى حى بعيد، فاستراح الجميع.

ثم جرت فتنة أخرى حين سأل أحدهم الشيخ فى المجلس (الدرس) بنبرة استهزاء، عن معنى كلمة «الحلتيتى» فرد الشيخ «فاضل» بهدوئه المعتاد قائلا: يعنى طيب الرائحة.. فصاح صاحب السائل بقوله: كدب! فنال على قفاه صفعة قوية، وأخرج السائل وصاحبه من المجلس طرداً، وتم تحذيرهما من العودة فانقطعا عن المكان، وتم وأد الفتنة فى مهدها.

أما الفتنة الكبرى التى تصطخب هذه الأيام، ويختلف حولها سكان المنطقة، فهى فتوى الشيخ «فاضل» بأن سكان الحارتين والزقاق يجب عليهم أداء الزكاة إليه كى يصرفها فى وجوه الخير.. وطبعاً سارع كثيرون لتنفيذ الفتوى فحصلوا على دعوات الشيخ بالبركة وكثرة المال وحسن المآل. أما الرافضون فقد صبر عليهم الشيخ فترة ثم ألحق فتواه بفتوى تقول إن الذى لا يؤدى الزكاة مرتد عن الدين، ويجب أن يحاربه المؤمنون حتى يعود إلى حضن الدين. احتج المرتدون بأنهم يدفعون الضرائب للحكومة، والضريبة كانت تسمى قديماً الزكاة، فكيف يدفعون مرتين لمجرد الخلاف فى التسمية، ومع أن الشيخ أفحمهم بقوله إن الحساب يوم القيامة سيكون على أداء الزكاة الشرعية لا الضرائب الحكومية، وأن بيت المال يختلف عن الخزانة العامة، وأن حد الحرابة لا يصح فى المتهرب من الضرائب لكنه واجب على الممتنع عن أداء الزكاة.. ولكن، وعلى الرغم من هذه الحجج الشرعية الباهرة والفتاوى العبقرية الدامغة للأدمغة، فإن الروافض لحكم الدين أصروا على غيهم وسدروا فى ضلالهم، ولم يعطوا الزكاة للشيخ، بل افتروا عليه بزعمهم أنه أمر أتباعه بإحراق شقة الحاج حسن المنصورى تاجر الموبيليا، الذى كان قد صاح فى قلب الحارة قبل يومين من اشتعال النار بشقته، معلناً كفره بقوله: إلى هايطلب منى فلوس هاقطع لسانه، والله المستعان! فعاقبه الله بخلل فى الكهرباء جعل النيران تلتهم محتويات شقته فى قلب الليل، وكاد أن يقع فى المعصية الكبرى ويذهب لتحرير محضر بالواقعة، ولكنه ارتدع عن ذلك، حين علم أن أعوان الشيخ «فاضل» هم الذين أنقذوا أسرته من الحريق الذى التهم كل شىء، وأن الشيخ تأسف على حال المحروق منزله، وأفتى بأنه معفى من أداء الزكاة لمدة عام، بشرط أن يستغفر الله سبعين مرة.. فاستغفر، وسكت من بعد ذلك عن الشنيع من الكلام، وعن التصريح بالكفر الصريح.

■■■

المشكلة المثارة الآن فى الحارة، أن الشيخ «فاضل» انتقل للسكنى فى شقة مقابلة للزاوية، ويريد توسيع الزاوية بإزالة الحوائط الفاصلة لها عن الصالة والغرفة الداخلية، وتحويل دورة المياه والمطبخ إلى ميضأة.. لم يعترض معظم الناس على ذلك، لكن المهندس «سامى خليل» الساكن بأول الزقاق، يزعم أن البيت الذى تحته زاوية الحلتيتى مبنى على الطريقة القديمة المسماة هندسياً «الحوائط الحاملة» ولو أزيلت الفواصل بين الغرف، فسوف يسقط البيت على رؤوس ساكنيه.. والعجيب أن بعض الجيران من ذوى النزعة الإلحادية، يؤمنون بمزاعم المهندس وينشرون افتراءاته هذه.


#أشأم_توأم

بعد انتهاء يوم عملى بالعيادة، يعنى فى حدود الخامسة عصرًا، فوجئتُ باتصالٍ تليفونى من أخى «حسين» يخبرنى بأنه فى «روما» يحضر مؤتمرًا، وسوف يأتى لمصر غدًا فيبقى يومين أو ثلاثة، ثم يعود إلى أمريكا حيث يعيش ويعمل. وختم اتصاله بأنه سيصل صباح غدٍ، ويريد أن يرانى ظهرًا بشقتنا القديمة! هكذا وصف المنزل الذى أعيش فيه منذ عشرين سنة مع زوجتى التى هى أنكد امرأة فى تاريخ البشرية، وبناتى الثلاث اللواتى هن أجمل ما فى الوجود.

«شقتنا القديمة» لماذا استعمل هذا التعبير بالذات! صحيحٌ أن هذه الشقة المطلة بجانبٍ منها على الميدان، وبالجانب الآخر على الزقاق الذى صار مزدحمًا، هى البيت الذى وُلدنا فيه معًا وعشنا زمن النشأة، لكنه لم يدخله منذ خرج منه قبل قرابة ربع قرن. أمره عجب. كان يمكن أن أقابله فى الفندق الذى سيُقيم فيه، أو نلتقى على العشاء فى أى مكان مناسب، وتكون معى زوجتى والبنات. ما الذى يدور برأسه؟ عمومًا، واضحٌ من نبرته أنه لم يتخلَّ عن بروده المعهود.. لم تزد مكالمته على دقيقة:

ـ آلو، حسن، أنا حسين.

ـ أهلا يا حسين، بتتكلم من أمريكا؟

ـ نو، أنا فى روما دلوقت..

ـ عندك مؤتمر؟

ـ آه، خلص إمبارح. على فكرة أنا جاى بُكرة الصبح، وأحب أشوفك الضهر فى شقتنا القديمة. يعنى هاكون عندك الساعة خمسة العصر، تقريبًا، أو خمسة ونصّ. هاتكون خلَّصت العيادة، صحّ؟

ـ صحّ..

ـ أوكى، أشوفك بُكرة.. باى.

يا باي! فعلًا إنسان غريب. أنهى المكالمة من دون أن يطمئن على أحوالى أو يسأل عن بنات أخيه الوحيد، التوأم، وأُمهن. ولكن لماذا استعمل تحديدًا تعبير «شقتنا القديمة» وكيف قرَّر المجىء إلى هنا فجأة وهو المشهور بالتخطيط بعيد المدى وبإعداد قائمة المواعيد مسبقًا، مؤكدًا التزامه بما يسميه «الأجندة»، كأنه رئيس منظمة الصحة العالمية.. لابد أن فى الأمر شيئا!

انتبهتُ من شرودى حين سألتنى مساعدتى الممرضة المريعة «خديجة» إن كنت أريد شيئًا، قاصدةً أن موعد انصرافها حان منذ دقائق. شكرتها فانصرفتْ وبقيتُ جالسًا بموضعى مثل كومة حصى، ورويدًا، أخذ رأسى يدور مثل نملةٍ تائهة.. لما نمَّلتْ ساقى اليسرى انتبهتُ، ومتمهِّلًا قمتُ فخعلتُ عنى «البالطو» الأبيض إعلانًا لانتهاء ظهيرةٍ مملة، وبدء أمسيةٍ أسخف وأشد مملًا. ومثلما يحدث دومًا، استعدتُ لمسة الممرضة الساخرة «سمية» وعطرها الفوَّاح، حين كانت تقف خلفى وتكاد تلامسنى وهى تخلع عنى البالطو وتعلِّقه بموضعه، بعد انتهاء يوم العمل الممتع.. «سمية» عملتْ معى بالعيادة لمدة شهرين وعشرة أيام، وقد مرَّت أيامُها السبعون كالحلم المفعم برحيق الحياة، حتى حَرَنت زوجتى وثار بركانها، فحرمتنى من الرقة والنعومة الساحرة والإيحاءات التى تُحيى الموات، وفرضت علىّ «خديجة» الجاثمة على روحى منذ عامٍ.. حاولتُ الاحتفاظ بالفاتنة «سمية» التى كنتُ فيما بيننا أُسميها «سمسمة» وأنتشى كلما تلامسنا بغير قصد، وكثيرًا ما كنا نتلامس بغير قصد. بذلت جهدى الجهيد للإبقاء عليها بالعيادة، وسلكتُ كل السبل لكن «جوهرة النكد» لم تعطنى أى فرصة. كانت تدخل علينا العيادة فجأةً، بمناسبة ودون مناسبة، وترمقنى وترمقها بنظرات الغلِّ الكظيم. ولما رأتْ أن النظرات لا تُجدى، لجأت إلى الكلام المباشر:

ـ ممكن أعرف إيه حكاية الزفتة «سمية» دى؟

ـ مفيش حكاية، مالك بس يا «جوجو»!

ـ بقولك إيه، سيبك من الاستهبال ده، إنت عارف قصدى.

ـ لأ يا «جواهر» مُش عارف قصدك إيه.

ـ طبعًا، إنت ولا عارف أى حاجة فى أى حاجة. بالذمة مُش مكسوف من نفسك. أنا خلاص طهقت، والبنت دى لازم تمشى فورًا، أنا لقيت لك ممرضة تانية، أحسن منها ألف مرة. يعنى، لو هانتكلم على الشغل فعلًا، إنما لو كُنت ناوى على قلة القيمة، خلاص اشبع بعروسة المولد بتاعتك دى، وطلَّقنى.. بلاش مسخرة.

لم أجرؤ ليلتها، طبعًا، على إخبار «الدكتورة نكد» بأن زواجى منها كان عين المسخرة الكبرى، وهو كان الإقرار بقبولى نظام السخرة المعتاد مع الزوجات فى بلادنا. وظهيرة اليوم التالى جاءت بالشمطاء «خديجة» قبل وصول الحسناء «سمسمة»، رحيق روحى، فاضطررتُ للاعتذار إليها وصرفتُ لها راتب الشهر كاملًا، ومن يومها فقدت ترياق الحياة وبقيتُ محصورًا بين أنواع السُّميَّات: سحنة الممرضة، ولزوجة الزوجة، والملل من قلة المرضى، وانعدام الأصدقاء.

متباطئًا، كالعادة، أغلقتُ باب العيادة ودخلت من باب شقتنا ثقيلة الهواء فوجدت «الجوهرة» متربعةً كالمعتاد بعريها المقزِّز، تشاهد المسلسلات التليفزيونية المُعادة. كانت فى غرفتنا ذات الحوائط حائلة اللون، وكانت البنات المسكينات سكانة فى غرفتهن المزدحمة حوائطها بصور المجلات، وكل شىء ساكنٌ كالمعتاد.. لم تلتفت سجَّانتى نحوى، فألقيتُ عنى ملابسى الخارجية وجلستُ بالداخلية على حافة سرير التعاسة، ونطقتُ من دون حماس:

ـ حسين اتصل من ساعة، وقال إنه هاييجى بكرة يزورنا.

ـ حسين أخوك؟ إيه اللى فكَّره بينا بعد كل السنين دى؟ وده عاوز إيه إن شاء الله؟ وليه يعنى هاييجى هنا؟

ـ واللهِ ما أنا عارف.. هوَّ قال كده وخلاص.

ـ يعنى إيه خلاص، أولًا البيت مُش نضيف والشغالة بتقول إنها عيَّانة، وانا معنديش استعداد اعمل حاجة، والبنات عندهم مذاكرة.. والصراحة، أنا مش عاوزة أشوفه أصلًا.

ـ ليه بس يا جوجو؟

ـ علشان بارد ومُش متربى، وعامل نفسه مهم علشان عايش بره، ونظراته كلها عنطزة.. وكمان..

ـ خلاص، هى قعدة وتعدِّى. وانا هاطلب مشويات للغدا.

ـ هوَّ كما هايتغدَّى هنا؟

ـ يعنى، الساعة خمسة معاد غدا، ولازم برضه نعمل الواجب.

ـ بلا واجب بلا نيلة يا شيخ، بلاش قرف.

■ ■ ■

كيف ورَّطتُ نفسى فى هذه الزيجة اللزجة، وفاز «حسين» بزوجته الأمريكية الفاتنة! والعجيب تفاخره أمامى بأنه يخونها كلما سنحت له الفرصة، وأنا المخلص رغمًا عنى.. كل إنسان له فى الحياة حظٌ، إلا أنا، حظى هذه «الجواهر» المتكومة أمامى بوسط الكنبة، كالأحجار الرخوة. حين تعرَّفتُ بها، كانت قد تخرَّجت للتوِّ فى كلية طب الأسنان، وكنت عائدًا من الإعارة جريح الروح، فظننتها ستكون شفاءً من كل آلامى، ثم اكتشفت سريعًا أنها الداء الذى لا شفاء منه. رفضتْ العمل بحجة أنها تعاف من أفواه الناس، فسألتها أيامها: فلماذا درست طب الأسنان؟ فقالت لأن مجموعها فى الثانوية العامة كان يكفى للالتحاق بهذه الكلية التى تطلب أعلى مجموع، فكان من الطبيعى أن تستفيد من علوِّ مجموعها. وسألتها أيامها إن كانت تحب أن تعمل فى شركة أدوية، لتبتعد عن أفواه المرضى، فردَّت بأنها سوف تنجب بعد حملها هذا خمسةً، وتتفرَّغ لتربية أولادها الست. وبعدما أنجبت لى على التتالى ثلاث بنات، قالت إنها اكتفتْ وصحتها لن تسمح بالمزيد.

.. يوم أخبرتُ توأمى «حسين» بأننى سأتزوج، امتعض من تعجُّلى وكاد ينفجر غيظًا، وعندما عرف أن العروس اسمها «جواهر» انفجر ضاحكًا بسخرية، وحين رآها كتم ضحكته حتى احمرَّ وجهه. مع أنه رآها وهى فى الخامسة والعشرين من عمرها، وفى زينة العرائس ليلة الدخول. فماذا سيفعل غدًا عندما يراها بعد سنوات الهدم والتحطيم، وبلا مكياج، وغالبًا بلا ابتسامات مرحِّبة به. عمومًا، هى إذ تبتسم أحيانًا، تصير أبشع منظرًا وأقبح ملامح.

ـ لو عاوز تاكل، فيه مكرونة فى الحلة الكبيرة على البوتاجاز، بس الصلصة خلصت.

ـ مكرونة من غير صلصة، إزاى بس.

ـ بقولك الشغالة مجتش النهارده، ومُش جاية بكرة كمان، قال إيه عيَّانة.. دى بقت مقرفة، ولازم ألاقى غيرها.

ـ خلاص، أنا أصلًا شبعان، بس وطِّى التليفزيون علشان أنام شوية.

ـ يوووه، إنت غاوى تعكنن عليَّا كده كل يوم، أنا سايبة لك الأوضة خالص، حاجة تقرف بجد، إف.

انزاحت عن ناظرى، فتنفَّستُ بارتياحٍ وتمطَّيتُ على السرير مستمتعًا بالبراح والارتياح، لكننى لم أستطع الغرق فى النوم كعادتى، وبقيتُ أتقلَّبُ قلقًا.

■ ■ ■

برنامجى اليومى متشابه، وليس عندى للأيام المقبلة «أجندة» لا طويلة المدى، ولا قصيرة. أصحو كل يومٍ فى حدود التاسعة صباحًا فأتحرَّك فى الأنحاء المحدودة ببطء، حتى تقترب الساعة من الثانية عشرة فأرتدى الملابس المناسبة وأخرج من باب الشقة وأدخل فى باب العيادة الذى يليه. العيادة غرفة من غرف الشقة الأربعة، فتحتُ لها بابًا مستقلًا. أبقى مرتديًا «البالطو» خمس ساعات، استقبل خلالها مرضاى قليلى العدد، ثم أخرج من حيث دخلت وأدخل من حيث خرجتُ، فأجد «جوجو» جاثمة على عروشه الخاوية، فأنام ساعةً أو ساعتين بعدما أتناول ما أجده من طعام، ثم أصحو فى حدود الثامنة مساءً أو التاسعة، فأُذاكر حينًا لإحدى بناتى أو أتصنَّع ذلك فى حقيقة الحال لأنهن جميعًا يتلقين دروسًا خصوصية فى مواد الدراسة جميعًا.

فى ابتداء زواجى خرجتُ مرتين وحدى بحُجَّة رؤية أصحابى، فماجت «جوجو» لأنه لا أصحاب يستحقون إهمال الزوجة، فصرتُ أصطف بجوارها على الكنبة أمام شاشة التليفزيون حتى تملؤنى السماجات، فيغلبنى النومُ بعد منتصف الليل بقليل. تلك هى أيامى الخامدة وليالىَّ الهامدة. لكنى اليوم تأخَّرتُ فى نومة ما بعد العيادة، وصحوتُ فى غير الموعد المعتاد. كان «المنبه» السخيف الموضوع بجانب السرير يشير إلى الحادية عشرة، وكانت أميرة أحلامى القديمة الواهمة «جوجو» نائمة إلى جوارى كالجوال المهترئ، بالطريقة اللائقة بكونها قد سارت سيدة كوابيسى. أظن أن خبر زيارة توأمى «حسين» لمنزلنا غدًا، أصابها بالغمِّ، فنامت بسبب وطأة الأمر على قلبها. خيرًا فعلتْ. تسحَّبتُ من سريرها حَذِرًا، وخرجتُ من غرفتها شاعرًا بالجوع، فأكلتُ المكرونة باردةً ومن دون صلصة، أثناء إعدادى كوب الشاى الذى أخذته لأحتسيه فى سلامٍ بصالة الشقة خافتة الإضاءة. لابد أن بناتى نائماتٍ، فلا صوت يأتى من غرفتهن ذات الأسرَّة الثلاثة، ولا صدى يأتى من أى صوب. الشاى لذيذٌ حين نشربه بهدوءٍ، على انفراد. فأجاةً دهمنى سؤالُ ما قبل نومى، وما بعده: لماذا سيأتى «حسين» فجأة لزيارتى هنا؟

لأول وهلة، استطعتُ دفع السؤال بعيدًا عن رأسى، باعتبار أن غدًا لناظره قريب. ولكن الوهلة التالية عاد معها السؤال بقوةٍ أنكى وأشد، باعتبار أن «حسين» معروف بأنه لا يقوم بأى خطوة دون ترتيبٍ سابق وإعدادٍ دقيق وهدفٍ واضح. هو على العكس منى، تمامًا. ظهر اختلافنا الجذرى أيام الدراسة الثانوية، فقد كنا من قبل ذلك نتماثل، بل نتطابق، فى كل شىء: ملامح الوجه، الطول، الملابس التى تأتينا من كل زوجين اثنين، اقتسام اهتمام الأم والأب.. وقد استغل «حسين» هذا التطابق بأسوأ طريقة، فكان يفعل الأفاعيل ويفلت من العقاب، فأتلقاه بدلًا منه. يلقى من الشرفة على العابرين الطوب، وقبل صعودهم للشكوى يُسرع إلى سريره ويصطنع النوم. سخيف. وفى المدرسة كان يخالف القواعد عامدًا، ويدفعنى بدلًا منه فى وجه المدرِّسين الغاضبين. لماذا كان يستمتع بمضايقتى وإيقاعى فى فخاخه؟ ومع ذلك، كان هو المبادر فيما بعد لإبراز التمايز بيننا. بدأ ذلك حين ترك شاربه يطرُّ، فصار يبدو مختلفًا وأكبر عمرًا، ثم واظب على الذهاب إلى النادى الرياضى وتركنى أنتظم فى مشاهدة التليفزيون، فأصبح بعد شهور أليق قوامًا وأقلُّ سمنةً. ولما دخلنا سويًا كلية الطب، صار يصادق الفتيات ويمرح معهن واحتفظتُ أنا بحيائى وخجلى، وكان يتعمَّد أن يشترى ويرتدى ملابس تخالف ما أشتريه وما أرتديه.. حين توفى أبى لم يحزن عليه كثيرًا مثلى، وحين أصرَّتْ والدتى على قبولنا بعثة الدكتوراه بأمريكا، لم يفكر فى بقائها وحيدةً مثلما تفكَّرتُ. وهو لم يتحرَّج مثلى من تلاوة قَسَم الولاء لأمريكا، واجتهد فى السعى حتى حصل على الجنسية التى زهدتُ فيها. كنتُ أظن أننا بعد حصولنا على الدكتوراه سنعود إلى الوطن، فلا معنى للانسلاخ من ذاتنا لنيل الجنسية الأخرى وتلاوة يمين الولاء لبلدٍ آخر، حتى وإن كانت مجرد ألفاظٍ إجرائية.

عند عودتنا، بعد سبعة أعوام من الغربة المطلوبة للحصول على الدكتوراه، ظهر مزيدٌ من التمايز. إذ عاملوه فى المطار الأمريكى بالاحترام الواجب لمواطنيهم، وعاملونى بما يليق بالغرباء العائدين إلى قاع العالم. لم أهتمّ. وعند وصولنا إلى مطارنا عاملوه باللطف الواجب لمواطن أمريكى، وعاملونى بالسخف اللازم لمواطنينا البؤساء. فلم أهتمّ بهذه الصغائر. عندما وصلنا وجدنا أُمنا قد صارت عجوزا فى الغابرين، كأن غيابنا امتد سبعين سنة لا سبعا. انخلع قلبى عند رؤيتها وأشفقتُ عليها من وضوح علامات رحيلها عن الدنيا، وتغافل هو عن الأمر وبقى أسبوعًا يدور على معارفه وأصحابه، ثم أخذ يشكو من الملل. لم يقبل الوظيفة الحكومية التى سنحتْ لنا ففرحتُ بها، أما هو فقد استخف بكل ما حوله وأراد العودة إلى أمريكا ليشق طريقه إلى الحياة التى وصفها آنذاك بالنظيفة، فى إشارة غير لائقة إلى أن حياتنا هنا غير نظيفة.. وأثناء استعداده للسفر، ظهرت فرصُ عمل ببلاد البترول وعرض علىَّ الأمر فاعترضتُ، غير أن أمى أقنعتنى بالذهاب معه ولو لعامٍ واحدٍ أو عامين، لأنها الطريقة الوحيدة لسداد الديون التى تراكمت عليه أثناء غيابنا. استقلتُ من وظيفتى الحكومية بعد شهر من استلامى لها، فرفضوا وقالوا إننى لم أثبت فى الوظيفة أصلًا لأستقيل منها، سألتهم عما يجب فعله فى تلك الحالة فأجابوا بأنها ستكون حالة انقطاع عن العمل. قلتُ: وما الفرق؟ قالوا: لا فرق.

سافر «حسين» قبلى بأسبوعين، لعدم احتياجه لتأشيرة البلد الشقيق. وحين لحقت به لاحظتُ أنهم هناك يميزونه عنى فى السكن، فلم أهتم. ويخصِّصون له سيارةً وسائقها، فلم أهتم. ويجعلون له سكرتيرة سورية الأصل ساحرة النظرات، فتحسَّرتُ وأظهرتُ عدم الاهتمام.. ولما اكتشفت بعد ثلاثة أشهر، كان يخفى خلالها الحقيقة، أن راتبه الشهرى يبلغ سبعة أضعاف راتبى، لأنه أمريكى. لم أحتمل، وقدَّمتُ استقالتى فقبلوها وعدت إلى وطنى الحنون.

اقترحتْ أمى أن أخصِّص غرفة من شقتنا الواسعة لاستقبال المرضى، فوافقتُ ظنًا بأن ذلك يُفسح أمامى المدى المفتوح للحرية، بعيدًا عن قيود الوظيفة الحكومية. واقترحتْ أن أتزوج الدكتورة «جواهر» حديثة التخرُّج، فوافقتُ ظنًا بأن الزواج سوف يحلُّ كل مشكلاتى مع الكون. واقترحتْ أن نُسرع بالإنجاب كى تفرح بأحفادها، فوافقتُ ظنًا بأن ذلك هو أقل القليل الممكن تقديمه لها عرفانًا بفضلها.. كانت غرفة العيادة ولا تزال موضع ذبولى اليومى، وكانت «جواهر» هى مشكلتى الكونية الكبرى فى العشرين سنة الماضية، وكانت أمى على موعدٍ مع الموت أثناء حمل «جوجو» فلم تَرَ وليدتها الأولى.. أمر الله.

■ ■ ■

الفجر اقترب موعده، وصالة البيت صارت خانقة.. تسللتُ كالسُّرُّاق إلى غرفة العيادة، وفتحتُ شباكها وباب شرفتها فامتلأت بنسمات الشفق المنعشة. لا مانع من جلوسى فى الشرفة المتربة المطلة على الميدان، ولا بأس لو رآنى أحد العابرين، وليس مفروضًا علىَّ تبرير كل ما أفعله. تشجعتُ، وجلبتُ كرسيًا جلست عليه مشدوهًا برؤية نجوم السماء. منذ زمنٍ طويل لم أرَ السماء ونجومها. نسمةٌ باردةٌ مسَّتْ وجهى فكدتُ ابتسم ابتهاجًا، ولمستْ رأسى البرودة اللطيفة فحلَّقت فى سمائى الأفكارُ الغريبة المدهشة: مهما كانت الحياةُ كئيبةً فإنها لا تخلو من لحظات حانية كهذه.. فى حياتى مبهجاتٌ لا يستهان بها، أهمها بناتى الثلاث اللواتى أكدح من أجلهن وأفرح بنجاحهن.. البلوى التى تزوجتها، أصيب بعضُ الناس ببلايا أشد منها وأنكى فصبروا عليها.. سخرية «حسين» الدائمة، منى ومن زوجتى التى يسميها «البعبع» ليست أكثر من مضايقات مؤقتة، وكذلك حرصه على التحقير من شأنى بمناسبة ودون مناسبة، وإصراره على تسميتى: الوطنى.. الشقيق قد يكون مشتقًا من الشقاء والتوأم قد يكون هو الأشأم، ولكن تبقى الحياة محتملة.. إن كان «حسين» سيأتى بعد ساعاتٍ ليطالبنى بحقه فى شقتنا، على الرغم من ثرائه، فسوف أتغاضى عن سخفه وأُقسِّط له المبلغ على دفعات.. كل ليلة سأغمض عينىَّ وأتخيَّل أن النائمة إلى جوارى ليست «جوجو» وإنما الفاتنة «سمية»..

ما هذا الصفاء الرائق، النادر، ها هو أول نور النهار، وها أنا وقد صرتُ متحرِّرًا منى.



#سكان_السّطح

مرت أسابيعُ بعد عبور أبى إلى النهار، فتوهَّمتُ أن استرحتُ من وصيته الأخيرة المربكة، لكنه جاءنى، ليلة أمس، منامًا وأعاد علىَّ ما كان يوصينى به مراراً وتكراراً مريراً: لازم تحل مشكلة السطح.. العجيب فى الأمر أن المرحوم أبى كان يُفاخر بأن إحساسه عالٍ بالأمور المهيأة للتفاقم، ولطالما استطاع علاج جسام المشكلات بأقل جهد، لمبادرته إلى حلِّها قبل أن تظهر وكان يتنهَّد راضياً بعد اختتام كلامه بالعبارة المعتادة: الوقاية خيرٌ من العلاج!

لماذا إذن، لم يُنه هو مشكلة سكان السطح وأوصانى بحلِّها، وهو يعرف أننى قليل الحيلة؟ فعلاً، أمره عجيب. قبل وفاته بفترة، رافقته فى تطوافه اليومى بحوافِّ الميدان الفسيح، المفتوح عليه زُقاقنا. يومها سألته عن سبب تسويفه وعدم تدخُّله فى مشكلة سطح بيتنا التى تفاقمت، فقال وهو يهزُّ عُكَّازه إنه لا يحب الكلام أثناء المشى، لأن هذا وقت التفكير وليس التفسير، وأمرنى بالصبر حتى يُتمّ دورة طوافه السابعة، ثم نجلس بمقهى «الفُرجة» فيقصُّ علىَّ القصص هناك وهو يحتسى الينسون. وقد كان.

الأمر بدأ وبدا فى أوله، هيناً، ثم تعقَّد فأضحى مُشكلة تعاظمت رويداً، حتى أمستْ مُعضلة، وأبى لم يشهد البدايات لأنها أسبق زمناً من مولده، ويُقال إنها جرت أيام جَدِّه، وفى قولٍ آخر أيام جَدّ أبيه، فهو الذى اجتهد حتى وجد قطعة الأرض وبنى عليها البيت العريق الذى نسكن فيه الآن ونُبتلى. فى ذاك الزمان، لم يكن هذا الميدان معيَّن الشكل محدود الجوانب بهذه الشواهق، وكان هذا المقهى «تعريشة» يأوى الناس إلى ظل أشجارها، ويحترسون فى طريقهم إليها من النقائع التى تنزُّ بالماء وقت فيضان النيل. وكما هو معروف بالإجماع، حسبما قال، كان الخير آنذاك وفيراً والإنسان إنساناً. وقبل أن يستقيم الزقاقُ بالبيوت ثم يتفرَّع فى حارتين، كلتاهما مسدودة، تمَّ بناء بيتنا بإشراف مهندس مصرى من أصل يونانى أو إيطالى، أسرته من أصل مصرى. وهو الذى وضع أصلاً تصميمه بحيث يليق بسُكنى الناس، غير البؤساء، فكان بيتنا من يومه الأول على ما هو عليه الآن: ثلاثةُ طوابق عالية، فى كلٍّ منها ثلاثُ شققٍ فسيحة، فى كلٍّ منها ثلاثُ غرفٍ «يجرى فيها الخيل»، بحسب التعبير الذى استعمله أبى.

وكان سطح البيت خالياً إلا من جدران رقيقة تفصل بين تسع حجراتٍ غير مسقوفة، ليستخدمها السكانُ فى نشر الغسيل أو لتخزين ما لا يلزم الاحتفاظ به فى شُققهم الأنيقة. وفى وسط السطح، كان هناك خزان مياه كبير لتأمين اندفاق الماء من علٍ! صحتُ مندهشاً: وهل هُدَّ هذا الخزان؟ فصاح فىَّ: لا تقاطعنى، واسمعْ تعِ، واعلم أن العجلة من الشيطان والمتعجلين هم أقاربُ الأبالسة المتنكرين فى صورة بشرية لخداع العوام بصيد الهوام وتخليط الكلام.

- خلاص يا بابا، أنا آسف.. كَمِّل لو سمحتْ.

■■■

فى مدخل البيت، الذى كان عند بنائه يحوطه فراغ، جعل المهندس للبواب مسكناً تحت السلم يتألف من حجرتين وممر متسع فى آخره دورة المياه التى كانوا قديماً يسمونها: بيت الراحة. وقد جَدَّ أبى، أو جَدُّ جَدِّى، فى إيجاد «بواب» للبيت يُشترط فيه، بحسب معايير ذاك الزمان، أن يكون ابن حلال، وظل شهوراً يرفض تأجير الشقق، قائلاً إنه لن يخادع أحداً ويُسكنه فى بيتٍ بلا بواب، طمعاً فى قَدرٍ زهيد من حطام الدنيا، يقصد المال، فلما استطال بحثه عن شخصٍ مناسب، لَانَ لساعى بريدٍ كان معروفاً بوداعته ولُطف ألفاظه واحترامه للآخرين. كان اسمه عبدالنصير، وقَبِلَ رجاءه وإلحاحه وتوسلاته، ووافق على أن يعمل ابنه الشاب بواباً. بل استبشر بهذا الاختيار لأنه رأى الولد اليافع خجولاً كسيفَ النظرات خفيض النبرات، وفى الوقت ذاته عَبِل مفتولُ البنيان مشرقُ الملامح، فظنَّ أنه المناسب لحراسة البيت وسكانه، لاسيما أنه اختارهم من ودعاء الناس، وضحَّى أحياناً ببعض الأجر لضمان جودة الجيرة.. عملاً بالمبدأ الذى هجره البشر بسبب الزحام: الجار قبل الدار.

يُقال، والعُهدة فى ذلك على الرواة، إن البواب عندما دخل أول مرة مسكنه، بكى فرحاً ومال على يد جَدِّنا وقبَّل يده، ويُقال بل قبَّلَ قدميه، وتعهَّد له بأن يبقى للأبد خادمه الطيِّع الذى يبذل الروح والدم فداءً له، فأخطأ جدى الأول وقال له مواسياً: خادم القوم سيدهم.. فقال له البواب الذى كان اسمه جميل الطلة: بل أنت والسكان السيدُ والسؤددُ!

وبعد أعوامٍ من عمل البواب، تسلَّل فى الليل لصٌ نحيلٌ صعد إلى السطح للاستيلاء على الغسيل، فلم ينتبه البوابُ لذلك، ويقال إنه انتبه فغضَّ الطرف واستنام آملاً أن يحلم بما يطفئ لهيب شوقه للفتاة التى يحبها ولا يجرؤ على النظر نحوها، طويلاً، حين تعبر من أمامه وهو متكوِّمٌ فوق الدِّكَّة البائسة بمدخل البيت. البنتُ ساحرة الملامح وحالمة النظرات، وهى نادرة الجمال لأنها من أهل اليُسر وأسرتها غنية ومن أصولٍ أجنبية، وقد توهَّم «جميل» أنها شغوفة به، لأنها تُلقى عليه التحية فى الصباح، فهام بها، وراح يحلم بالاتحاد بها فى خيمة الخيال. وأحلام المحروم حلوة، بقدر ما هى مستحيلة، ويُقال إنها تُفضى بصاحبها إلى الهوس.

لما تكرر السطو على الغسيل، استغرب السكان من إهمال البواب، ولاموه فاعتذر بأنه يقضى نهاره مجتهداً فى خدمة السكان! سألوه: أين هذا الاجتهاد وما هى تلك الخدمات؟ فقال إنه يراقب الفراغ المحيط بالبيت، وهذا عملٌ لو تعلمون عظيم.. وبعدما احتاروا فترة، اقترح عليهم الحل فوافقوا، فأحضر قريباً له ليعمل مساعداً وأخبر الناس بأن مساعده اسمه «مُساعد» فانخدعوا بذلك واطمأنوا إلى حين.. وهكذا صار «مساعد» هو الذى يراقب العصافير التى تطير حول البيت نهاراً، ويتولى «جميل» الحراسة ليلاً والسهر فى سرداب الأحلام المستحيلة مع محبوبته «صوفيا» الغافلة عنه وعما يعانيه ويعانى منه.

لكن السطو على السطوح تكرر، فاهتاج السكانُ، لاسيما أن إحدى الجارات رأت السارق يعبر من أمام البواب بلا اكتراثٍ وهو مُحمَّل بما نهبه من فوق السطح.. فاحتدّ أحد السكان، وكان أصله من الصعيد، فقال للبواب إنه ومساعده لا خير فيهما وعليهما أن يتركا العمل لمن يستطيعه، وقال للجيران إن عليهم استبدال هذا البوَّاب ببوَّاب ذى مهابةٍ تُرهب «حرامى الغسيل» وتردعه عن تلك الجرأة منقطعة النظير. تدخل فى النقاش ساكنٌ عطوف، رقيق القلب، قال للبواب: هل تعانى من أى مرض، أو لديك مشكلة فى النظر؟

- أبداً يا عاطف بك، أنا صاغ سليم.

- طيب، إزاى الحرامى يعدِّى قدامك وإنت سرحان كده؟

- أكيد بيقرا تعويذة.

- تعويذة! إزاى يعنى، بيقول إيه؟

- وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون.

■■■

كان السكان يبحثون عن بديل للبواب، وهم غافلون عما يفعله من استقدام أقاربه للسكنى معه، وأثناء ذلك جرى أمران لا صلة بينهما إلا عند علام الغيوب، الأول أن السُّـكان كَفُّوا تماماً عن استعمال السطح وعن الصعود إليه، والآخر أن «صوفيا» تزوَّجت وتركت شقة أهلها، فأصيب البواب بهوسٍ خفىٍّ.. وفى يوم شتوىٍّ دافئ، جاء السكان برجلٍ عليه حُلة من الذِّلة، ليكون مكان الفاشل. وهنا فوجئ الجميع بجميل وقد خرج إليهم من مكمنه الكائن تحت السلم، وهو يرتدى عباءة مزركشة الأطراف بوشىٍ يلمع كالنياشين، يحوطه ويسير وراءه قطيعٌ من أقاربه، وقال بنبرة الواثقين إن زمن الظلم انتهى، ولن يتولى الأمر أحدٌ غيره، وأشار بطرف عصاه اللينة إلى الرجل الذليل المجلوب، فاختطفه من بين السكان ثلاثة من ذئاب البواب، وأوسعوه ضرباً وشتماً أمام البيت، ففرَّ هارباً وارتاع السكان.

فى غمرة الارتياع، أعلن البواب أنه لن يُسمَّى من بعد اليوم بواباً، وسوف يتخذ لقب «الحارس»، ومن يحرص على سلامته الشخصية من السكان يجب عليه أن يتأدب فلا يعترض ولا يحلم بالاعتراض.. سكت لحظةً استمتع فيها بذهول السكان، ثم استكمل كلامه مؤكداً أنه جاء للعمل هنا على أساس واضح، هو أن خادم القوم سيدهم! فمن يحرص على سلامته الشخصية عليه أن يتأدَّب فلا يعترض ولا يحلم بالاعتراض، وختم كلامه بأن العصا خُلقت لمن عصى والتعريض جُعل للمعترضين والرضا بالقضاء والقدر هو عنوانُ التقوى وسرُّ السلامة، ولا بديل عن ذلك إلا الندامة، فمن يحرص على سلامته وسلامة أسرته عليه بالأدب ومكارم الأخلاق والتعامى إذا عزَّ العمى، فلا يخطر على قلبه هاجس الاعتراض، فالمعارضة هوى يهوى بأهله إلى السهيقة السحيقة، فهل يريد أحدٌ منكم أن يذوق السهيقة السحيقة.. هنا، قال الأستاذ «عاطف بك»، وهو يتحسَّـس ألفاظه: لو سمحت، ما معنى السهيقة؟ فزعق فيه حارسنا: اخرسْ.

فخرس، وخرص.

الوحيد الذى حاول فى ذاك اليوم الاعتراض، وبالأحرى فكَّر فيه، كان الساكن الصعيدى الذى جعله الحارس عبرة، إذ خُرِّبت شقته واستباحها صغارُ الحراس وبعض المذؤوبين، فحمل عاره ورحل فى صمتٍ إلى الضاحية التى يُستعبد فيها الذين كانوا أعزاء، وانقطع من يومها خبره.

■■■

خيرةُ السكان هجروا البيت وهاجروا إلى الأحياء البعيدة، وفى خلال تلك السنوات استوطن السطح أعوان الحارس وأسرهم وفيرة التعداد، ثم استقدموا المزيد من أقاربهم ومعارفهم الذين على شاكلتهم، فازدحم بهم السطح وفشا فيهم التسطيح والأفعال العجيبة، فكان من ذلك أنهم كانوا إذا اشتد فى الصيف حَرُّ الظهيرة يصعدون سلم خزان المياه الذى أسموه «المسبح» ويلقون أنفسهم فيه، بملابسهم، وهم يبتهجون كحالهم فى أيام الأعياد التى يلطخون فيها الجدران بالدم، اتقاءً للحسد بالكفوف الدموية، مما اضطر الباقين من السكان لتركيب مواتير ترفع إليهم الماء من دون مروره على الخزان.

وكان من أفعالهم العجيبة بالسطح، أنهم زادوا عدد حجرات الغسيل التسع، فجعلوها تسعين، وليتهم اكتفوا، بل قاموا بناءً على نصيحة أحد الحراس الصغار الذين صاروا مع مرور الوقت كباراً، بسقف الحجرات بجريد النخل وأفلاقه، وبنوا فوقها أكشاكاً خشبية سموها: الشعاب الشعبية. ويقال إن عدد سكانها، بلغ مؤخراً أضعاف عدد القاطنين بقنوط فى الحجرات التسع التى صارت تسعين، على باب كل جُحر منها مكتوب بخط ردىء: الثقة بالله وبه نستعين، آمين، آمين، آمين.

لكن أعجب ما جرى فوق السطح، هو ما وقع قبل فترة، إذ انتشر بين سكانه مرضٌ غريب، وسببه مريب، هو المرض المسمى بينهم باسمٍ محيّر: أبوالنوم.. وهو مرضٌ مزمنٌ، له عرضٌ وحيد هو النعاس والوسن ليلاً ونهاراً، ومن يومها وهم ينامون، ولا يصحون من نومهم إلا لنوم آخر! ومع ذلك لا يحلمون، ولا يأملون فى اليقظة، ولا يحبون الاستفاقة، وقد أفهمهم الواعظ المشهور بينهم باسم «كتكوت» أن السكوت والسكون لا يكفيان لشكر السماء على تلك الهبة التى تُقرِّبهم من معجزة أهل الكهف، مما جعلهم يؤمنون بأن النوم الذى يعقبه نوم ويسبقه نوم، هو علامة الفوز الدائم كل يوم.

ومع مرور الأيام واحتدام الحال، طرد شخيرُ سكان السطح سكان الشقق، فصارت مرتعاً بديعاً للفئران، ولم يعد يسكن هنا إلا ورثة البيت، ولم يبق من هؤلاء الورثة إلا أنا وأبى الذى عرج إلى النور قبل شهور، أو لعلها أعوام، وأوصانى قبل وفاته بما أوصاه به أبوه قبل وفاته:

لازم تحل مشكلة السطح.
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
انتقل الى:  

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت