3 نتيجة بحث عن بلال_فضل

كاتب الموضوعرسالة
الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر T11موضوع: عن جمال خاشقجي وعزيز السيد جاسم رحمهما الله
hassanbalam

المساهمات: 0
مشاهدة: 113

ابحث في: المنتدى العام   الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر Emptyموضوع: عن جمال خاشقجي وعزيز السيد جاسم رحمهما الله    الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر Icon_minitime2018-10-25, 12:46 am
#بلال_فضل

عن جمال خاشقجي وعزيز السيد جاسم رحمهما الله وأيضاً عن سعد الحريري ومحمد بن سلمان وصدام والسيسي وأشياء من هذا القبيل وخلافه

@hassanbalam


اتكتب واتقال كتير في حكاية إن صاحب السلطة أياً كان قدرها بيلجأ لتفريغ توتره وغضبه وغله في اللي أدنى منه سلطة وقوة، عشان يعرف يتماسك ويتوازن ويحس بإنه لسه مسيطر، وكلما ازدادت وضاعة صاحب السلطة كلما زادت وحشيته في تفريغ غله تجاه الأدنى منه سلطة وقوة، بشكل يحتار الكثيرين في تفسيره أو تبريره، هتلاقي ده من أول علاقة القهوجي بصبيه والزباين المتأخرين في دفع الحساب أو قليلي الطلبات، وعلاقة السواق بالتبّاع والقابلين للإهانة من الركاب، لغاية علاقة محمد بن سلمان بسعد الحريري.
يعني، في ظل التوتر اللي أحاط بمحمد بن سلمان الأيام اللي فاتت بعد التطورات المتلاحقة اللي أعقبت جريمة قتل جمال خاشقجي الله يرحمه، ومع اشتداد حمى التربيطات والصفقات والوعود والتلويحات من كل أنحاء الكرة الأرضية، لدرجة إنه تم امبارح إلغاء الكلمة اللي كان أعلن سابقاً إنه هيلقيها في القعدة اللي كان عاملها عشان يضايف صحابه الخواجات المؤمنين بقدراته الإصلاحية، والظاهر إنه ما لقاش طريقة إنه يخفف توتره عشان يقدر يتكلم في الموضوع، غير إنه يبعت يجيب سعد الحريري مش بصفته رئيس وزراء دولة هتشارك في الاستثمار، لكن بوصفه ضحية سابقة، أفلت من أي عقوبة بعد التصرف غير المسبوق اللي عمله فيها، وبرغم إن الموضوع ما كانش سر، لأ ده تدخل فيه رؤساء دول منهم ماكرون اللي الحريري طلع على ضمانته بعد ما خلوا سعود القحطاني يضربه ويهينه، وعشان يقدر بن سلمان يتكلم بثقة عن خاشقجي اللي قتله بدم بارد، لازم يكون جنبه تأكيد حي على إن كله بيعدي، وكل حاجة ليها تمن، بس المهم إنك تدفع تمنها، طبعاً ممكن بن سلمان يبقى فاهم الحكاية غلط ويطلع هو شخصياً من ضمن التمن المطلوب دفعه لإن الحكاية تعدي، وجايز لأ، بس اللي هيفضل من الحكاية إن في قاتل لما اتزنق بسبب دوشة حصلت بعد جريمته، هو مش فاهم سببها، بعت جاب ابن القتيل عشان يعزيه، وبعدها بيوم بعت ضحية سابقة عشان يرمي عليها إفيهين يبينوه إنه متماسك ومالي مركزه.
لو طبقت الحكاية دي على السيسي، واللي علاقته بجريمة قتل خاشقجي هو إن مرتكبها هو حليفه أو كفيله أو السبونسر بتاعه، احسبها زي ما تحسبها، هتلاقيه قرر مثلا يفرغ التوتر اللي عنده بإنه يحبس مؤلف كتاب حاول إنه يرد عليه في العنوان من بعيد لبعيد، ويقوله بإن مصر مش بلد فقيرة، ومن غير ما حد يقرا الكتاب اللي اتحبس مؤلفه، وطبعا كل يوم وليلة، ضباطه يرفعوا له تقارير بمين اللي اتحبس ومين اللي اتكدر في سجنه، ومين اللي طلعت له أحكام إفراج ومع ذلك مش بتتنفذ، عشان يحس إنه مسيطر والبلد ممسوكة وتمام التمام، لكن طبعاً لإن مصر دايماً لها لمستها، هتلاحظ إنه في بدايات الأزمة، السيسي عمل حركة مصرية بامتياز، لما قرر يروح عيد القوات الجوية وهو لابس بدلة طيار، وفتحوا له الطيارة ركبها عشان يتصور وهو قاعد فيها، ويبان وهو بيتصور إنه مهموم، وهي حركة حسني مبارك الطيار نفسه ما عملهاش، مع إنه فشخ مصر تلاتين سنة بشرعية إنه طيار، وعمر الناس ما شافته لابس بدلة طيار حربي.
الجبرتي اللي عايش وسطينا دلوقتي وبيكتب التاريخ اللي هيقراه أحفادنا، هيوقف كتير عند الحتة دي وهو بيكتبها، ومش هيعرف هل يحكيها بشكل محايد ويحط معاها الصور والكوميكس اللي طلعت عليه، ولا هيضطر يقول رأيه زي ما الجبرتي كان ساعات بيقول رأيه بشكل ساخر أو غاضب، ولا هيفتح قوس ويجيب سيرة إن أكتر واحد كان بيعمل الحركات دي هو الملك فاروق، كنت نشرت مجموعة صور ليه في أوضاع ملوكية مختلفة: صياد عامل دكتور إلخ، ومن بعده طبعا السادات اللي كان بيبدّع في لبس المناسبات، وكل ما يروح جهة يلبس لبس يشبه لها، لدرجة إن طلعت عليه النكتة الشهيرة إنه لما زار مركز تنظيم الأسرة لبس لولب.
طبعاً من ساعة انكشاف جريمة جمال خاشقجي واضطرار السعودية للاعتراف بها بعد إنكار ومكابرة، اشتغلت نغمة بين أنصار السيسي إنه في الآخر قضا أخف من قضا، وإن السيسي مستبد منضبط، وما بينشرش الصحفيين بالمناشير، ومع حموة الإفيهات اللي الناس بتشارك فيها عشان تقلل مرار عيشتها، بيحب الناس إنهم ينسوا أو يتناسوا المئات اللي اتقتلوا في رابعة، اللي البعض لسه مصمم يكابر ويصوره كموضوع خلافي، من غير ما يعترف إنه اللحظة المؤسسة لطغيان السيسي أيا كان خلافك مع الإخوان وقرفك منهم، طبعا غير الناس اللي بتتصفى كل شوية ويصوروا جنبهم سلاح، وغير جوليو ريجيني والخمسة اللي اتقتلوا على حسه واتنكل بأهاليهم لما اعترضوا، والجرايم المستمرة اللي في السجون اللي بقت بتُنسي بعضها بعضاً.
في أجواء زي دي بتضيق فيها الصدور، بيلجأ البعض لطمأنة نفسهم بحتمية العدالة القادمة يوماً ما، ويلجأ البعض لحيل دفاعية باليقين بإن ما فيش جريمة هيتحاسب عليها حد صاحب سلطة أبداً، وكل الآراء طبعا ليه أسانيدها ووجاهتها، لكن يظل المهم إن جرائم زي اللي بيرتكبها بن سلمان والسيسي وغيرهم، هي نسخة من جرايم ارتكبها قبلهم صدام وحافظ الأسد والقذافي وغيرهم، والناس تعاملت معاها بوصفها جرائم ما لهاش عقوبة، وإنه من الممكن لملمتها والتغاضي عنها عشان المركب تمشي بالكل، واللي حصل بعد كده إن الجرائم فعلا ما تمش محاسبة حد بعينه عليها، لكن دفع تمنها الكل.
من أسبوعين استضفت في عصير الكتب الناقد والأديب العراقي الكبير محسن جاسم الموسوي، واتكلم عن جريمة اختفاء شقيقه الأكبر المثقف العراقي المهم عزيز السيد جاسم، وهو صاحب تاريخ طويل يصعب اختزاله سريعا، وكان زي المرحوم جمال برضه مؤمن بإنه من الممكن التعاون مع رأس النظام لتحقيق مصلحة عامة، ولما أبدى مش هاقول معارضة، لأ مجرد تحفظ وكتب كتب تاريخية أزعجت صدام منها كتاب عن علي بن أبي طالب، عمرك شفت مدخل أبعد من كده للكلام، ومع ذلك تم اعتقاله هو وأخوه واختفى في السجن وفضل من سنة حاجة وتسعين مختفي، وأهله متعشمين إنهم يلاقوه أو يلاقوا جثته بعد ما عرفوا إنه اتقتل من التعذيب، وبقى في النهاية مجرد قصة من قصص طغيان صدام، اللي أكيد في ملايين تعاملوا مع الجريمة إنها دليل على إن قبضة صدام قوية ومحكمة، لدرجة إنه بطش بأهم مثقف عراقي، وما حدش قدر يشيله من منصبه، وفضل العالم يتعامل معاه بوصفه أمر واقع، حتى بعد أول عدوان على العراق، واستمر مثقفين وفنانين كتير شايفينه الضرورة والأسطورة واللي لو مشي البلد هيخرب، لغاية ما البلد خرب وكمل الاحتلال على خرابه، فاتنسى عزيز السيد جاسم هو وغيره وسط كم المآسي والجرائم، وتحول صدام وإجرامه إلى موضوع خلافي، خصوصا عند ملايين الناس اللي بيعتبروا إن الواقع الخرائي بيتولد فجأة، مش إنه بيتم الاستثمار فيه وتربيته وسرطنته عبر سنين وعقود، ولما يحصل الانفجار الكبير، ساعتها ما بيبقاش عند أغلب الناس طقطان ولا وقت إنهم يفكروا في اللي حصل ويتأملوا إنهم يمكن لو كانوا وقفوا ضد جرائم البداية، كان ممكن شكل النهايات يبقى ألطف أو أقل بشاعة.
عموما اللي يعيش يا ما يشوف، بس بحكم الولع بالتاريخ، خالص التحية لكل جبرتي ومقريزي وابن إياس وابن تغرّي بردي عايش وسطينا وبيحاول يحافظ على عقله وأعصابه عشان يكمل اللي بيكتبه واللي هو زي مصائر أوطاننا، ما يعلم بيه إلا ربنا
الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر T11موضوع: أسئلة عن الحتميات وأوهامها
hassanbalam

المساهمات: 0
مشاهدة: 80

ابحث في: المنتدى العام   الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر Emptyموضوع: أسئلة عن الحتميات وأوهامها    الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر Icon_minitime2018-07-22, 5:58 am
#بلال_فضل

أسئلة عن الحتميات وأوهامها
بلال فضل

هل كان من الحتمي أن يوصل ما جرى في 30 يونيو وما تلاه في 3 يوليو إلى ما جرى في مذبحة رابعة؟ هل كان يمكن أن نتجاوز الكثير مما جرى بعد 30 يونيو لو لم تجرفنا أوهام الحسم النهائي، فتبعدنا عن منطقة الحلول الوسط وتنهي لغة التفاوض وتعلي من منطق السحق والفرم، فتقود البعض إلى التمترس في ميداني رابعة والنهضة وتقود البعض إلى تأييد رغبة السيسي في القفز على السلطة؟
فضل الكثيرون اللجوء إلى افتراضات الحتمية لأنها أسهل وأكثر راحة
ليست هذه أسئلة عن الماضي، بل هي أسئلة عن المستقبل الذي لا زال ماضينا يزيده كابوسية، ولذلك يتوجب علينا أن نحاول الإجابة على هذه الأسئلة بهدوء وعقلانية بقدر الإمكان. لكن المشكلة أن بشاعة الحاضر الذي يعيشه ملايين المصريين بكل ما به من قهر وإفقار وظلم وكآبة متعاظمة، تجعل الكثيرين يعتقدون، ولهم عذرهم، أن الانشغال بالإجابة على هذه الأسئلة ليس إلا ضرباً من ضروب الرفاهية أو العبط.

وربما لذلك يفضل الكثيرون اللجوء إلى افتراضات الحتمية لأنها أسهل وأكثر راحة؛ فيعتقد الإخوان وأنصارهم أن مجرد الخروج في مظاهرات 30 يونيو قاد حتماً إلى مذبحة رابعة، وأنه لم يكن هناك سبيل آخر لتجاوز المذبحة إلا عودة مرسي إلى السلطة. ويعتقد أعداء الإخوان أنه لم يكن هناك من طريق للخروج من المأزق السياسي الذي دخلت فيه البلاد عقب 3 يوليو، سوى سحق الإخوان في رابعة والنهضة وتفويض السيسي ليعتلي السلطة.
وأزعم أن استسهال اختيار الحتمية يحمل معه رغبة في الهروب من الاعتراف بالخطايا التي أدت إلى 30 يونيو، ورغبة في الهروب من المسؤولية عن المذابح التي تلته، ولا يمكن أن تفصل تلك الرغبة عن الرهان الذي لا زال يسود لدى الكثيرين على معجزة ما تقوم بتغيير صورة الواقع الكئيب حسب هواهم، دون الاستمرار في مواجهة تبعاته المأساوية.

يتصور السيسي أن تلبيته الكاملة لطلبات صندوق النقد الدولي في ظل استسلام كامل من الشارع لوطأة الصب في المصلحة، قد تقود إلى تحقيق تحسن اقتصادي سريع، إذا استمرت أموال الخليج في التدفق
على صعيد السلطة، يتصور السيسي أن تلبيته الكاملة لطلبات صندوق النقد الدولي في ظل استسلام كامل من الشارع لوطأة "الصب في المصلحة"، قد تقود إلى تحقيق تحسن اقتصادي سريع، إذا استمرت أموال الخليج في التدفق بعد استكمال ترتيبات صفقة القرن وما تلاها من إجراءات اقتصادية مرتبطة بها.

ولذلك لم يعد السيسي مكترثاً بإخفاء نواياه أو تجميلها، فمع كل إجراء اقتصادي يزيد العبء على المواطن العادي الذي اكتسب السيسي شرعيته من تفويضه وتأييده، يتوجه السيسي إلى تكتل أصحاب المصالح الذي يحميه بقرار استرضائي ضامن لاستمرار الولاء، في الوقت الذي يحرص فيه على تمتين دائرته الضيقة وتأمينها من كل ذي خطر محتمل وإن بدا بعيداً، فقد أصبح جلياً للكل أن أي خطر حقيقي على السيسي سيكون من داخل دولاب الدولة، أو ممن سبق له أن كان داخل دولابها، ومع ذلك ليس هناك ما يمنع أن يتم منح الفرصة كاملة لضباط أمن الدولة لكي يثبتوا ولاءهم وقدرتهم على تأمين النظام، ولكي يصفوا حساباتهم القديمة أيضاً.

أما في ساحة المعارضة، إذا تجاوزنا عن الاختزال الذي تتطلبه المساحة، وافترضنا أن هناك معارضة واحدة يمكن أن تجمعها ساحة ما، لا يزال كل شيء كما كان في 30 يونيو الماضي والذي سبقه والذي سيليه، لأسباب أصبح تكرارها مضيعة للوقت. قبل أيام قرأت كلاماً كتبه ثوري متحمس أشار فيه إلى ضرورة أن تخرج جماعة الإخوان وأنصارها من الحياة السياسية للأبد، لأنها انتهت.
وبالطبع تابعت ما أثاره كلامه من مشادات وملاعنات معتادة وممجوجة، لكن ما لفت انتباهي أكثر هو اليقين الذي تحدث به صديقي الثوري عن نهاية جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي إلى الأبد، فتساءلت عما إذا كان قد زار مؤخراً العديد من مدن مصر وقراها ليصل إلى هذا الاستنتاج، أم أنه استنبطه من مشاهداته على وسائل التواصل الاجتماعي التي تمنحك خيار مشاهدة ما تحب أن تشاهده فقط.
لا أدعي أنني زرت مدن مصر وقراها لأصل إلى استنتاج معاكس، ولست مشغولاً بطرح شواهد تعاكس رأيه مما أشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي، وحاشا لله أن أعظ أحداً فأذكره بأنه لا يليق أن يدعو للحرية، وأنت تحجر على غيرك أن يعبر عن رأيه وينشغل بهموم وطنه؛ فلو كان مثل هذا التذكير يجدي لأجدى في السابق، حين كان المرء يظن أنه ليس من الصعب الجمع بين معارضة تيارات الشعارات الإسلامية بما فيها جماعة الإخوان وبين رفض إهدار حقوق وآدمية ومواطنة أنصارها، ليتضح بالتجربة أن مجرد التفكير في هذا بصوت عال يمكن أن ينزع عنك حقوقك وآدميتك ومواطنتك ووطنيتك، فضلاً عن أنه ليس كافياً ولا مُرضياً لأنصار جماعة الإخوان الذين لا يرضون بأقل من إبداء الندم وبوس القدم على معارضة مرسي ومباركة عزله.

لم أعد كما كنت منذ عامين راغباً في الجدال أو متحمساً للمكايدة وتبادل الاتهامات، ليس لأن العقلانية هبطت عليّ فجأة، أو لأن الملل تمكن مني. ولا يمكن لأي عاقل أن يستهين بتأثير الملل على النفوس، بل لأنني أجد الإفراط في ذلك عيباً، في ظل وجود كل هذه المظالم التي لا يتكلم عنها أحد بحماس واهتمام، لأنها تقع على أنصار جماعة الإخوان والمتعاطفين معهم.

لم أعد كما كنت منذ عامين راغباً في الجدال أو متحمساً للمكايدة وتبادل الاتهامات
ليس عندي أدنى شك في أن الكتابة عن هذه المظالم سيغير شيئاً، ولا أعيب على من يكتفي بالكتابة عن المظالم التي تقع على أعضاء التيار السياسي الذي ينتمي إليه، ولا أتصور أن الكتابة عن مظالم الجميع دون تفرقة ستفتح القلوب والعقول، وستدعو الجميع إلى النقد والمراجعة. فقد أصبحت محصناً ضد الإصابة بهذه الأوهام، لكني أصبحت محصناً أيضاً ضد الفرحة بالمكايدة والحماس للجدال وتبادل الاتهامات، برغم أنها أمور تضفي على الحياة حماساً يجعلها مبلوعة أكثر. لكن لماذا أنشغل بالنقاش مع من يرى أن مواصلة سحق الإخوان وأنصارهم ستفيد البلد، إذا كان يرفض إدراك الواقع المحيط به، ويظن أن الحياة ستسير دائماً على هواه هو وأصدقاءه الواقعيين والافتراضيين، ولماذا أنشغل بالنقاش مع من يرغب في تكرار أخطاء الماضي، والتحالف من جديد مع الإخوان وتصديقهم والاعتذار لهم، لأنه لم يساعدهم على تحقيق حلم التمكين الأردوغاني الذي ظنوا أنه أقرب من حبل الوريد، مع كامل الاعتذار لأردوغان بكل عيوبه وأخطائه على وضعه في نفس السياق مع خيرت الشاطر وأمثاله.
لماذا تسمح لنفسك بإضاعة الوقت مع من يعتقد أن ما جرى في 30 يونيو بدأ فقط في 30 يونيو، ومع من يظن أن تأييد 30 يونيو كان لا بد أن يقود إلى مذبحة رابعة وما سبقها وما تلاها، أليست الحتميات مريحة لهؤلاء بشكل لا يمكن أن يختاروا بديلاً عنه؟ ألم تساعد على إعفاء الكثيرين من مسئولية التفكير فيما جرى بعد 11 فبراير 2011؟ ألم يرتح هؤلاء إلى نظرية أن كل ما جرى من أحداث ومذابح وتطورات بعد خلع مبارك كان مخططاً له بدقة من الدولة العميقة التي لا يمكن هزيمتها ولا التغلب على مخططاتها الجهنمية؟ ووجدوا في تصديق ذلك بديلاً أكثر راحة من محاسبة النفس عن الانجراف وراء العواطف الجياشة والصوت العالي والتصورات الخرافية التي لا علاقة لها بالواقع؟

لماذا أنشغل بالنقاش مع من يرى أن مواصلة سحق الإخوان وأنصارهم ستفيد البلد
ما الذي سيجعل هؤلاء جميعاً يتغيرون الآن بالتحديد؟ ولماذا لا يواصلون التصور أن الحل يكمن في العودة إلى نقطة الميدان دون التفكير ـ مجرد التفكير ـ في تصور سياسي للتعامل مع سيطرة المؤسسة العسكرية التي تحتاج إلى ما هو أكثر من رفع شعارات حماسية في وجهها؟ وتصور سياسي للتعامل مع تيارات الإسلام السياسي أو الشعارات الإسلامية أو سمها ما شئت خاصة إذا أدركوا أن اختفاءها من الواقع لن يكون بالسهولة التي يتصورونها؟ هل من العدل أن تطلب ممن يرغب في الخلاص من وطأة القمع أن ينشغل بالتفكير؟ هل من العقل أن تطلب التعقل ممن يعاني من قهر إغلاق المجال السياسي والثقافي؟ أليس في ذلك تعالياً على الواقع يستوجب الغضب ويجعلك أهلاً لكل ما يلحق بك من شتائم واتهامات؟ هل تتصور أنك ستقنع أحداً حين تقول أن البديل الذي يبحث الجميع عنه ويلعنون غيابه، لن يتحقق إلا بالتفكير والتنظير وطرح الأسئلة الصعبة خصوصاً إذا كان ذلك متاحاً بين من يعرفون بعضهم البعض على مستوى القعدات واللقاءات الضيقة والحسابات الشخصية؟

ألا يجب أن تعترف أنك أحياناً تحن إلى الحل السهل الذي يتصور الجميع أنه سيطيح برأس النظام ويأتي برأس آخر ليس مهماً من هو؟ المهم أن يرفع المظالم ويجعل البلد تلتقط أنفاسها، حتى لو أعاد البلاد إلى أيام الاستبداد الناعم والفساد الحويط.
هل هناك من يقوم الآن بمهمة التفكير في المستقبل ولو في "جروبات سرية" أو تنظيمات "تحت أرضية"؟ هل يوجد من يفكر في أهمية البعد عن المشاعر التطهرية التي لا تتفق مع العمل السياسي، والتي تخدع الإنسان وتجعله يتوهم لنفسه حجماً أكبر من حجمه، وتدفعه إلى تكرار أخطاء الماضي؟ هل الوقت مناسب لطرح أفكار تفرق بين المراجعات والتراجعات؟ ألا يساعدنا التنابز بالمواقف والتذكير بها على تأكيد خصومتنا السياسية وتعميق خلافاتنا التي لن نستطيع بناء بدائل سياسية بدون التأكيد عليها؟ ألم يحن الوقت لإدراك أن لحظة الميدان كانت لحظة فارقة يجب مفارقتها، إذا كنا لا نرغب في تكرار أخطاء الماضي؟

أم أن كابوسية الواقع الخانق تجعل من المستحيل فعل شيء سوى الحلم بالخلاص السريع والدعوة إليه؟ أليس من الصعب على الإنسان أن يواجه نفسه بحقيقة ابتعاد الطريق أكثر وأكثر، فيدفعه ذلك إلى مزيج من المكابرة وإنكار القلق وادعاء الأمل، أو يجعله يهرب إلى اتجاه معاكس، يستلذ فيه بنشوة اليأس الكامل، حتى وإن أدرك بعد قليل أنه لا يمتلك رفاهية التوقف عن مواصلة المسير، هل سيكون من المجدي أن ندعو إلى إزاحة الغمة، ونتجاهل أن كل غمة بالضرورة هي تعبير عن مصالح وعلاقات قوة، مهما تخفت خلف شعارات دينية أو وطنية أو حضارية، ولن نزيحها إلا إذا أدركنا ذلك وفهمناه جيداً؟

ليست الأسئلة مبهجة بشكل عام، فما بالك بها حين تُطرح في وقت شديد الكآبة كالذي نعيشه الآن
ليست الأسئلة مبهجة بشكل عام، فما بالك بها حين تُطرح في وقت شديد الكآبة كالذي نعيشه الآن، لكن الأسئلة ستظل أهم ما نملكه، إلى جوار المواساة والتعاطف ومشاركة الأحزان ودعم كل من نستطيع أن ندعمه ولو بكلمة، وفيما عدا ذلك ليس بمقدورنا سوى أن نسأل ونفكر في أسئلتنا، لأننا لن نفقد اهتمامنا بالشأن العام، حتى لو تصورنا ذلك، وستثبت الأيام للكثيرين عكس ما يعتقدونه عن قدرتهم على الانفصال عن الواقع، ولا أظن أن إقناعهم بذلك ممكن، في الحقيقة لا أظن أن أحداً يحتاج الآن إلى إقناع الآخرين بما يؤمن به، وأن كل ما يمكن فعله هو أن تطرح ما لديك من أسئلة وأفكار، في الحيز الذي تستطيعه، وأن تبحث عمن يشاركك في تلك الأسئلة والأفكار، فقد حدث ذلك في كل لحظات خنق المجال العام في تاريخ العالم، وهي لحظات لا تطول وإن طالت لا تدوم، ولا حصانة لأحد من الهلاك خلالها، ولا يمكن لأحد التعالم وادعاء أن هناك وصفات مضمونة للخلاص منها، لكن ربما كان بوسع من استطاع أن يحرر عقله ومشاعره من سطوة اللحظة الراهنة وبطش المحيطين به، أن يدرك أهمية أن يحافظ على عقله من الجمود ومشاعره من انعدام التعاطف مع المظلومين مهما كان مختلفاً معهم، وليس ذلك بالهين، لكنه ليس بالمستحيل، وأظنه مهماً لأن يكون نقطة البداية.

الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر T11موضوع: مقالات بلال فضل فى القدس العربى
hassanbalam

المساهمات: 2
مشاهدة: 129

ابحث في: المنتدى العام   الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر Emptyموضوع: مقالات بلال فضل فى القدس العربى    الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر Icon_minitime2018-06-12, 5:27 am
#بلال_فضل
الوسم بلال_فضل على المنتدى نوسا البحر 06qpt998
مقالات بلال فضل بجريدة القدس العربى



بعض ما أمكن إنقاذه
بلال فضل
Mar 06, 2018

لو ظهرت هذه الواقعة في فيلم سينمائي لظننتها مبالغة ممجوجة، لكنها حدثت في واقع (جمهورية فَشَلو العربية المتحدة)، ولذلك ستصدقها لأنها تندرج تحت بند (العادي بتاعنا).
في يوم 20 إبريل/نيسان 2011، وبتأثير قوة الدفع التي أحدثتها ثورة يناير/كانون الثاني، التي شجعت بعض المسؤولين على فتح بعض الملفات المغلقة منذ عقود لأسباب غامضة، قرر مسؤولو وزارة الثقافة إعادة افتتاح متحف الحضارة المصرية بعد 57 عاماً على إغلاقه، كان المتحف قد افتُتح عام 1949 بعد عدة سنين من عرض محمد طاهر رئيس الجمعية الزراعية الملكية فكرته على الملك فاروق، ليكون متحفاً يوثق مراحل الحضارة المصرية، منذ فجر التاريخ حتى عصر فاروق الأول، الذي أصبح فاروق الأخير، ومع ذلك استمر عمل المتحف الذي كان يضم مئات اللوحات التي رسمها أشهر الرسامين لفاروق، وانضمت إليه في نهاية عام 53 لوحة لمحمد نجيب وهو مجتمع بالضباط الأحرار، وأخرى وهو يحيي الشعب من سيارة مكشوفة، وبعد أن أطاح عبد الناصر بنجيب في عام 54، أغلق المتحف أبوابه بشكل «مؤقت»، دام أكثر من نصف قرن، واختفت منه عبر السنين عدة لوحات ومقتنيات، وحين بدأ بعد إعادة الافتتاح ترميم محتوياته، التي أضرت بها المياه الجوفية، قام فريق الترميم بإخلاء بعض الجدران من البانورامات المجسمة المثبتة فيها، ليكتشفوا خلف بانوراما تجسِّم مجرى نهر النيل، باباً سرياً يفضي إلى سرداب بعمق ثمانية أمتار داخل الحائط، وجد المسؤولون فيه خبيئة تحوي أكثر من مئتي قطعة فنية بين لوحة زيتية من أعمال رواد الفن المهمين، واسكتشات فنية ورسومات هندسية ومعمارية وخرائط نادرة للقطر المصري، وتخطيط مدينة الإسكندرية القديمة، ليتم ترميم هذه الأعمال وتعرض للجمهور، وبعد أن استقال أشرف رضا رئيس قطاع الفنون التشكيلية بعد ذلك الاكتشاف، أعيدت الخبيئة إلى المخازن لتواجه مصيرها المجهول من جديد.
في كتابه المهم «سرقات مشروعة: حكايات عن سرقة آثار مصر وتهريبها ومحاولات استردادها»، يكشف القاضي والأديب أشرف العشماوي نقلاً عن أشرف رضا وصبحي الشاروني الناقد البارز، أن سر ذلك السرداب يرجع إلى تعرض حسين يوسف فوزي مدير المتحف وأستاذ الفنون الجميلة، لضغوط شديدة من ضباط يوليو/تموز، لكي يتخلص من لوحات فاروق ونجيب، فحفر الرجل السرداب في عام 54، ووضع الخبيئة الثمينة خلف مجسم مجرى النيل، ليخفيها عن أيدي الراغبين في تدمير التراث بدعوى تنقية التاريخ، وبعد أن قام بذلك صمت الرجل ومن عاونوه حتى توفاهم الله، ولولا قرار افتتاح المتحف وترميم مقتنياته، لظلت الخبيئة في مكانها ولأكملت المياه الجوفية القضاء عليها.
خلال توثيقه لتجربته القضائية في مجال استرداد الآثار المصرية التي تم نهبها، إما بالسرقة والتهريب أو بالاتفاق الحكومي والإهداء الرئاسي غير المشروعين، يروي المستشار العشماوي وقائع سرقات المجوهرات الملكية التي صادرتها ثورة يوليو، على أيدي المسؤولين عن عمليات الجرد والتخزين، التي عاشت رحلة مأساوية استمرت 56 عاماً، ظل أغلبها داخل صناديق سيئة التهوية بدائية الصنع، لتمتد إليها يد العبث والتبديل، ويخرج بعضها من الصناديق إلى صالات المزادات ثم إلى قاعات المتاحف وقصور أغنياء العالم، ويختفي بعضها في المجهول، ويتلف البعض الآخر، مع أنه كان يفترض أن يتم عرضها منذ البداية في متحف وطني، بدلاً من بقائها في بدروم أسفل البنك الأهلي وسط القاهرة، بعد أن تم جردها عام 55 في محضر من ورقة واحدة حمل عبارة وحيدة تقول: «العدد مطابق للحكم بالمصادرة، والعهدة سليمة»، وفي كل مرة كانت تظهر قطع من تلك العهدة في صالات المزادات الدولية، لم يكن يسأل أحد عن مصدرها ولا عن مصير باقي العهدة، ليتم تسليم صناديق العهدة في عام 62 إلى وزارة الثقافة لاستخدامها في الأغراض المتحفية، لتستمر أعمال الجرد ـ والتجريد على حد تعبير العشماوي ـ حتى عام 1971، لتثبت تحقيقات النيابة وقتها اختلاس 37 حجراً كريماً من الصينية المهداة من الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل بمناسبة افتتاح قناة السويس، وتنتهي القضية إلى الحفظ لعدم معرفة الفاعل.
خلال السنين التالية استمرت مهازل لجان الجرد والتجريد، واستمر نزيف تلك العهدة المنكوبة، ليضبط عام 1975 سوار مرصع بالأحجار الكريمة من مجوهرات أسرة محمد علي أثناء عرضه للبيع في الولايات المتحدة، وتسفر التحقيقات عن عبث أحد رؤساء اللجان وبعض أعضائها بكشوف الجرد، حيث بدلوا فيها واختلسوا من المجوهرات ما قدرهم عليه الله، بعد أن أجرى رئيس اللجنة تعديلات بخط يده على أصل الكشف في أوصاف المجوهرات ليسهل تبديلها بأخرى مقلدة، وأثبتت التحقيقات أن هناك اختلاساً لعدد 71 مجموعة كبيرة من مجموعات المجوهرات الملكية، وخلال فترة التحقيقات الطويلة توفي المتهمون في القضية، الذين قالت تحريات الشرطة إن ثروتهم لم تتضخم ولم تظهر مظاهر الثراء على ورثتهم، لتصدر النيابة العامة قرارها في عام 2007 بحفظ القضايا والبلاغات المرتبطة بها نهائياً لوفاة جميع المتهمين.
بعدها لعب المستشار العشماوي وزملاؤه دوراً مشرفاً في حفظ ما تبقى في صناديق العهدة من الضياع، بالاستناد إلى نص قرار رئاسي خصص عقاراً في منطقة زيزينيا في الإسكندرية ليكون متحفاً قومياً لمجوهرات أسرة محمد علي، ليتم تشكيل لجنة من الجهات المختصة، روعي ألا يُكبّل عملها بالتعقيدات الإدارية، لتنهي عملها في أسرع وقت، لتتحرك في منتصف شهر يونيو/حزيران 2009 عشر سيارات مصفحة تحمل حوالي 45 صندوقا كبيرا وثمانية صناديق متوسطة، بها ما تبقى من مجوهرات أسرة محمد علي، بعد أن اكتشف العشماوي وزملاؤه خلال الجرد أن من سرقوا بعض محتويات الصناديق، توجهت أعينهم إلى ما يلمع من الذهب فقط، فتركوا محتويات شديدة الأهمية في قيمتها التاريخية وجمالها الفني.
إلى جوار ما رصده من «سرقات مشروعة» تمت بالتراضي بين بعثات كشف الآثار والحكومات المصرية، يوثق المستشار أشرف العشماوي أهم سرقات المتحف المصري خلال العقود الماضية، التي كان من أبرزها اكتشاف عالم آثار سوفييتي في عام 59 اختفاء عصا من مجموعة الملك توت عنخ آمون، كان محفوراً عليها بالمصرية القديمة عبارة «من يحمل هذه العصا تحل عليه بركة آمون»، وقد حلت بالفعل على «لاطش العصا» الذي لم يُضبط من حينها، وبعد أن تم جرد المتحف بالكامل وقتها، ظهر أن هناك أكثر من 300 قطعة أثرية فقدت للأبد، بل عثر على حلقة تضم مجموعة مفاتيح لعدد من الفاترينات والخزائن كانت ملقاة في ممر جانبي، بدون أن ينتبه إليها أحد لحسن الحظ. بعدها تمت سرقة المتحف المصري بالتتابع في أعوام 79 و87 و93 و97 بطريقة واحدة، هي مغافلة السارق للحراس والاختباء في تابوت بعد سرقة ما خف حمله، والخروج في اليوم التالي بعد فتح أبواب المتحف مصحوباً بسلامة الله وبركة الأجداد الذين كانوا يوقعون عقوبات قاسية على سارقي الآثار تصل إلى الإعدام والخوزقة وجدع الأنف، قبل أن يتبدل حال الدنيا ويصير حاميها حراميها، ويصبح الأمل الوحيد لكل عشاق وحماة الآثار هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث الأجداد.



خرافاتنا القريبة إلى النفس
بلال فضل
Apr 17, 2018

مبدئيا وأنت تختار شريك حياتك، إنسَ حكاية أن الأضداد تتجاذب لتنتج علاقات رومانسية ناجحة، لأن الدراسات أثبتت أن التوافق مع الضد نادرا ما يفلح، وأن البحث عمن يتوافق معنا في الصفات قد يكون أفضل وأسعد، فضلا عن كونه أريح للدماغ، «وسيبك من» حكاية أن الأفضل للإنسان أن يعبر عن الغضب مباشرة، بدلا من كبته داخله، فقد ثبت أن كبت الغضب ليس مدمرا للأعصاب بالطريقة التي يتم تصويرها، ولا تردد من فضلك خرافات من عينة أن هناك علاقة بين حجم المخ ومستوى الذكاء، وأن معظم الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي يتحولون بدورهم إلى معتدين جنسيا حين يكبرون، وأن الإنسان يستخدم 10 في المئة فقط من قدراته العقلية، وأن ذاكرته تعمل كأنها جهاز تسجيل، فقد ثبت أن كثيرا من الناس يمكن أن يرسخوا ذكريات زائفة تماما عن أحداث معقدة حدثت لهم، وأن البعض يجترون أحيانا ذكريات عن أحداث طفولة مؤلمة مع أنها لم تحدث أبدا.
ليست هذه النتائج سوى نماذج لما يحفل به هذا الكتاب الممتع، الذي خصصه بعض أساتذة علم النفس المرموقين، لتفنيد الخرافات الشائعة التي يحفل بها علم النفس الشعبي، والتي يتسامح معها البعض بوصفها غير ضارة، مع أنها يمكن أن تدفع بالكثيرين إلى اتخاذ قرارات حمقاء، متصورين أنهم يستندون إلى معلومات دقيقة عن الطبيعة البشرية، مثل حكاية أننا إذا كنا منزعجين من شيء، فكل ما علينا فعله هو أن نحاول تجاهله وإخراجه من تفكيرنا، لأن الأبحاث تشير إلى أن محاولة إخراج شيء ما من تفكير الإنسان تزيد في الأغلب من احتمالات عودته إلى حيز التفكير مجددا، هناك أيضا التصور الشائع عن هشاشة نفسية وأعصاب الأطفال، وهو ما يجعل كثيرين يستمرون في زيجات سيئة، خوفا من تأثر نفسيات أطفالهم، في حين تثبت الدراسات أن الغالبية العظمى من الأطفال يتميزون بالقدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة عوامل الضغط العصبي، ويتجاوزون ظروف الطلاق، إذا تم بهدوء وحكمة، بدون أن يصيبهم كثير من الأضرار النفسية طويلة المدى، وأحيانا بدون أضرار، بل إنه عندما تقوم خلافات عنيفة بين الوالدين قبل الطلاق تبدو الآثار العكسية الواضحة للطلاق على الأطفال في حدودها الدنيا، لأنهم يجدون في الطلاق وسيلة للهروب من الخلافات المريرة بين الوالدين.
ينبهنا الكتاب إلى خرافات خطيرة التأثير تشيع بيننا، مثل أن من يقبلون على الانتحار هم المصابون بالاكتئاب الشديد فقط، بينما يصل احتمال وقوع الانتحار في حياة شخص مصاب باكتئاب شديد إلى ما يقرب من 6 في المئة فقط، كما ينبهنا إلى أنه ليس صحيحا أن الأشخاص الذين يتحدثون كثيرا عن الانتحار من غير المحتمل أن يقبلوا عليه، بل على العكس يعتبر تكرار الحديث عن الانتحار أحد أهم العلامات التي تنبئ عن احتمال قتل المرء نفسه، وليس صحيحا أن الانتحار يحدث في العادة بدون سابق إنذار، فقد عبّر ثلثا الأفراد الذين انتحروا أو ثلاثة أرباعهم عن نوايا الانتحار لآخرين قبل أن يقبلوا على الانتحار، وفي حين تزيد محاولات الانتحار بين النساء عنها بين الرجال، ينجح أكبر عدد من الرجال في الانتحار فعليا، ولا يشيع الانتحار على نحو خاص في أيام الشتاء المظلمة كما يعتقد البعض، بل على العكس يكون الانتحار أكثر شيوعا في أنحاء العالم في أكثر الشهور دفئا، كما أن المراهقين ليسوا الفئة العمرية الأعلى من حيث احتمال وقوع الانتحار بين أفرادها، بل هي فئة الطاعنين في السن من الرجال.
ينفي الكتاب بقوة ما يروج له الكثيرون عن اتّسام معظم المرضى العقليين بالعنف، لأن أفضل التقديرات تشير إلى أن 90٪ أو يزيد من الأفراد المصابين بأمراض نفسية خطيرة، بما في ذلك الفصام لا يقبلون مطلقا على ارتكاب أفعال عنيفة، ويحتمل أن يكون المرض النفسي الحاد سببا في ما يقرب من 3 في المئة إلى 5 في المئة من جرائم العنف جميعها، بل إن الأفراد المصابين بالفصام وغيره من الاضطرابات النفسية الحادة هم ضحايا أكثر من كونهم مرتكبي أحداث عنيفة.
كما يخالف مؤلفو الكتاب ما يشيع بين غالبية الناس عن أن أفضل طرق التعامل مع المجرمين هو استعمال الغلظة والشدة معهم، لأن الدراسات المنهجية توضح أن أساليب التقويم بالتخويف غير فعالة وتضر أكثر ما تنفع. وفي ما يخص التصور الشائع عن أن معظم جرائم الاغتصاب يرتكبها أشخاص غرباء تماما عن الضحية، تنفي الدراسات ذلك، وتؤكد أن جرائم الاغتصاب التي يرتكبها غرباء تشكل ما يقرب من 4 في المئة فقط من إجمالي هذه الجرائم.
يؤكد الباحثون أنه ليس صحيحا أن مواقف الأفراد وآراءهم تنبئ إلى حد بعيد بسلوكياتهم، بل تكون في معظم الحالات مؤشرا ضعيفا على سلوكيات الأفراد، كما أنه ليس صحيحا أنه كلما زاد عدد الأشخاص الحاضرين في حالة طارئة زادت احتمالات تدخل شخص ما، وليس صحيحا أن المجموعات الكبيرة تتخذ قرارات أقل تطرفا من الأفراد، حيث تشير الأبحاث التي أجريت على ظاهرة التحول الخطير وظاهرة الاستقطاب، إلى أن مجموعة الأفراد تميل إلى اتخاذ قرارات أكثر تطرفا مما يفعله الفرد الواحد. وليس صحيحا أن الزحام دائما يؤدي إلى مزيد من العنف، فأحيانا يقلل الزحام من معدل العنف، لأن الأفراد في المناطق المزدحمة يحاولون غالبا الحد من احتكاكهم بالآخرين.
يتطرق الكتاب إلى بعض الخرافات التي ساهمت في توسيع أرزاق مروجيها، ومنها حكاية أن بعض الناس يستخدمون جانب المخ الأيسر، والبعض الآخر يستخدم الجانب الأيمن، حيث نشأت «سبوبة» دورات تنشيط استخدام الجانب الأيمن من المخ، بينما لا يحتاج الإنسان إلى كامل مخه لكي يؤدي وظائفه بفعالية، بل إن من خضعوا لجراحة استئصال أحد نصفي المخ أثناء الطفولة بسبب حالة مرضية، يمكن لهم أن يحيوا بصورة طبيعية إلى حد معقول عند البلوغ. في سياق مشابه ليس صحيحا أن التنويم المغناطيسي مفيد في استعادة ذكريات الأحداث المنسية، كما رسخت الأعمال الدرامية في أذهان الناس، حيث تشير الدراسات إلى أن الكثير من الأشخاص الذين خضعوا للتنويم المغناطيسي بإمكانهم أن يكذبوا.
بمناسبة التصورات الدرامية الشائعة التي يكذب الكتاب كثيرا منها، يشير مؤلفو الكتاب إلى أنه لا توجد أسانيد علمية على وجود منطقة معينة داخل المهبل عند النساء تسمى «جي سبوت» تضاعف من إثارتهن الجنسية، ويؤكدون أنه ليس صحيحا أنه يجب ألا يمارس الرياضيون العلاقات الجنسية قبل المباريات الكبيرة، لأن ممارسة العلاقة الجنسية تحرق فقط 50 سعرا حراريا في المتوسط ولا تسبب وهن العضلات، ما يعني ضرورة البحث عن أسباب مختلفة لتبرير الهزيمة.

ـ «أشهر 50 خرافة في علم النفس: هدم الأفكار الخاطئة حول سلوك الإنسان» ـ تأليف: سكوت ليلينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري إل بايرستون ـ ترجمة إيمان أحمد عزب ومحمد رمضان داوود ـ دار كلمات عربية


حواش وهوامش
[1]
ـ ضمن أحداث روايته الجميلة «شرف كاترينا بلوم الضائع» يتساءل صاحب نوبل الألماني هاينريش بُل، عما يحدث في نفسية «خابور التليفون»، أو الشخص المكلف بالتنصت على مكالمات الآخرين كما يسميه الألمان، طبقاً لما يخبرنا به المترجم شحاتة ياسين، يقول بُل في تساؤلاته: «ماذا يظن موظف فاضل لا يؤدي سوى واجبه تحت ضغط الأوامر الصارمة، نزولا عند حاجته إلى الحصول على لقمة العيش، وربما يكون ذلك من الأمور البشعة أو الممقوتة، ماذا يظن عندما يتحتم عليه أن يتنصت على الكيفية التي يتحدث بها تليفونياً أحد السكان المجهولين، الذي نود أن نسميه هنا وباختصار: عارض الحنان، مع إنسانة لطيفة وأنيقة بصورة مميزة وعفيفة إلى حد ما مثل كاترينا بلوم؟ هل يقحم نفسه في شكل من أشكال الوجد الأخلاقي أو الجنسي أو كليهما معاً؟ هل يثور؟ هل يرق قلبه؟ ألا يقدم له ذلك لذة جديرة بالاعتبار».
يواصل هاينريش بُل تساؤلاته الساخرة، عما إذا كان المتنصت على مكالمة يدور فيها الحديث عن «تورتة البيض المحشية بالخشخاش»، سيلاحظ بدقة أن ما يتم الحديث عنه ليس إلا شيفرة فوضوية، وأن تورتة البيض المحشية يقصد بها القنابل اليدوية، والآيس كريم مع الفراولة ليس سوى متفجرات، لذلك وفي ظل ضرورة الخروج بشيء ملموس من المكالمات المسجلة على نفقة دافعي الضرائب، ما الذي يمكن أن تتسبب به المراقبة التليفونية من آثار نفسية للموظفين المسؤولين عن التنصت والتفريغ والتحليل؟ هل تدرك السلطة التي تقوم بتشغيلهم تلك الأضرار؟ وهل تكفل لهم الرعاية النفسية؟ ولماذا يتم الاهتمام فقط بمديري وسارقي ومستخدمي البنوك، ولا يتم الاهتمام بالقوات المجنّدة لشرائط التسجيل؟ وما رأي الكنيسة في ذلك؟ ولماذا يسكت البابا عن إبداء رأيه في الموضوع؟ مع أن هناك مجالاً يمكن للكنيسة والنقابات أن تعملا فيه، لتخطيط شكل من برامج التثقيف لمراقبي المكالمات التليفونية، بحيث يتم إسماعهم شرائط مسجلا عليها دروس خصوصية ترفع من كفاءتهم، بدون أن يكلف ذلك الكثير.
تنتمي أسئلة هاينريش بُل الساخرة إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، التي صدرت فيها روايته، لكنها ما زالت أسئلة تقبل الطرح الآن بجدية، حتى بعد أن تطور الأمر في أغلب الدول وأصبح ملف المراقبة التليفونية موكلاً في جزء كبير منه لبرامج «فائقة الذكاء» صنعها البشر، تستخدم آلاف الكلمات المفتاحية لفلترة ملايين المكالمات التليفونية، وإحالة ما يثير الريبة منها إلى المحللين المتخصصين، وهي تقنيات أصبحت متاحة في أغلب الدول العربية التي ندرك جميعاً مستوى ذكاء حكامها وأعوانهم، ما يدفعنا للتفكير في أسئلة هاينريش عن كفاءة مسجلي ومفرغي ومحللي المكالمات التليفونية المسجلة في بلادنا، ومدى تطورهم وقدرتهم على فهم ما بين السطور، وما تتركه تلك المهنة على نفسيتهم من آثار ربما تدفعهم للانتقام من أبرياء يتحدثون عن وصفات للطبخ، فيتم القبض عليهم بتهمة تصنيع المتفجرات، ومن يدري ربما تم تطبيق اقتراح الروائي الألماني، لنرى دورة تثقيفية يتعاون فيها الأزهر مع الكنيسة مع أجهزة الأمن القومي، لرفع كفاءة خوابير التليفونات في بلادنا، والاهتمام بصحتهم النفسية من أجل بقاء أطول للخابور الأعظم في موقع القيادة.
ـ هل يمكن أن يتقبل الناس أي حديث عن الأدب أو الثقافة أو الفنون في الأيام التي تشغلهم فيها التطورات السياسية الملتهبة والدامية؟ هذا أيضاً سؤال معاصر يرتبط بأيامنا هذه، ويواجه كل من يكتب عما لا يرتبط بالشأن السياسي، لكنه في الحقيقة سؤال قديم طرحه قبل عقود الأديب إبراهيم عبد القادر المازني في كتابه الجميل «حصاد الهشيم» الذي يقول في أحد فصوله: «وإنها لمن أعجب القِسَم أن يضطر أحدنا إلى الدفاع عن نفسه وتسويغ عمله في مستهل كلام له يهُمّ به على الأدب حتى في وقدة المعمعة السياسية»، لكن اللافت أن المازني لم يكتب تساؤله هذا إلا في فترة كانت مصر فيها «تشهد ركدة قصيرة الأجل في حومة السياسة، يرصد خلالها كل فريق أهبّته، ويحشد لما بعدها قوته»، وهو ما جعله يطلب من قارئه العذر إن وجده يتحدث في الأدب والفنون، مضيفاً: «غداً سنشبع من الطبل والصيال، ومن أبواق الدعوة إلى أقدس النضال، فما علينا لو اهتبلنا هذه الفرصة وأركضنا الفكر في حلبة الأدب؟ في ميدان خالص لوجه الإنسانية قاطبة، لا تعتلج فيه إلا القوى النزّاعة إلى الكمال، ولا تشرئب فيه العيون إلا إلى مثل الجمال والجلال، نعم ماذا علينا وأي يأس من ذلك؟ أليست حياة الأدب خاصة والفنون عامة هي طليعة كل نهضة سياسية واجتماعية؟ أين في التاريخ أمة وثبت إلى الحياة القوية بدون أن يهيئ لها الأدب أسبابها؟ أليس الواضح الذي لا يحتاج إلى إبانة أو تدليل أنه لا بد أن يفطن المرء إلى وجوده ويعرف نفسه، ويدرك صلتها بما حولها، ويطّلع على جوانب حياته، قبل أن يسع مجموع الأمة أن يقدر وجوده وحقوقه بين أمثاله وأنداده؟».
لا تعني أسئلة المازني المهمة هذه أنه كان من الذين يتهربون من إعلان مواقفهم السياسية، ويفضلون العيش في برج عاجي يفصلهم عما يدور حولهم من أحداث، فقد كانت له صولات وجولات في الكتابة السياسية، وجدت لحسن الحظ من يجمعها في كتب، ويقوم بدراسة وتحليل مواقفه، التي أياً كان خلافك أو اتفاقك معها، تخرجه من زمرة الكتاب الذين يتهربون من الاشتباك مع الواقع بدعوى الترفع عنه، ومنهم هؤلاء الذين نراهم في زماننا يرفضون الجمع بين الكتابة في الأدب والفنون والتاريخ، والكتابة المشتبكة مع الواقع، التي تقف ضد الظلم والفساد، ولو أعلنوا أنهم يفعلون ذلك لعدم قدرتهم على دفع أثمان المواقف المعارضة لاحترمهم متابعوهم، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكنهم يزعمون أنهم يفعلون ذلك تأففاً وترفعاً من الخوض في السياسة، مع أنهم لم يكونوا يأنفون من الخوض فيها بمقالات «نارية»، حين كان الكلام فيها رخيصاً ومتاحاً، ولا أظنهم سيتذكرون موقفهم ذلك، حين يتطلب الأمر أن يلبسوا مجدداً ثياب المعارضين، بعد أن يعود كلام السياسة ليصبح رخيصاً ومتاحاً.
ما يثير إعجابي الدائم بالمازني أنه رغم براعته وغزارته في الكتابة، لم يكن يمتلك أوهاماً عن دور الكتابة وتأثيرها، وهو ما يجعله يقول في موضــــع آخر: «محاولة فرد إصلاح ما في الدنيا من خلل لا يمكن أن تكون إلا فكاهة يضحك من جرأتها القدر، ولكنها على هذا فكاهــة جليلة تبعث الرجاء وتنشئ الأمل في تحقيق المستحيل، ونظام حياة الأمم ليس من صنع صانع ولا وضع واضع، ولكنما يتكون على الأدهار والأحقاب، كجزائر المرجان، وهو يتحول ويتعدل لأن الحياة قائمة على التطور، مبنية على التغير، لا لأن إنساناً هنا أو هناك أراد هذا أو أشار به»، مشيراً إلى نموذج من المثقفين يشعر بتيار الزمن حين يتدفــــق في مجــرى الحياة فيحاول أن ينطق بلسان الحوادث، ويكون لديه من فرط الاعتداد بالنفس، ما يجعله يحسب دائماً أن نطقه هو الصحيح وفهمه هو الصواب، عافانا الله وإياكم من أن نكون كهؤلاء، أو أن نُبتلى بالقراءة لهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
انتقل الى:  

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت