1 نتيجة بحث عن خواطر_غروبي

كاتب الموضوعرسالة
الوسم خواطر_غروبي على المنتدى نوسا البحر T11موضوع: سلاسة السلاسل مجموعة قصص قصيرة جديدة ليوسف زيدان
hassanbalam

المساهمات: 2
مشاهدة: 588

ابحث في: مرتفعات أو سوناتا الكلام   الوسم خواطر_غروبي على المنتدى نوسا البحر Emptyموضوع: سلاسة السلاسل مجموعة قصص قصيرة جديدة ليوسف زيدان    الوسم خواطر_غروبي على المنتدى نوسا البحر Icon_minitime2016-12-14, 4:39 pm
@hassanbalam
#يوسف_زيدان

#خلود_شيخ_الحارة

أهوال الأحوال التى تعصف بنا الآن فى الزقاق والحارتين ابتدأت هادئة حينما تسربت فى السر والعلن أنباء متضاربة وتهامسات متناقضة، عن الحالة الصحية والعقلية لشيخ الحارة «محمد حسنى طنطاوى»، الذى يناديه المسنون من الجيران بـ«أبى خلود»! ربما لتأبده فى منصبه حتى بلغ من العمر عتياً، وحتى اعتاد الناس وجوده، فصار فى وهمهم كالهواء. غير محسوس، ولا غنى عنه. قيل إن الرجل لم يزل فى عنفوانه فتياً، وقيل بل لحق به من الأدواء ما لا دواء له، وقيل إنه متماسك بدنياً، لكن خرف الشيخوخة خامره، فلم يعد يعلم من بعد علم شيئاً، وقيل إنها مبالغات، فكل ما فى الأمر أنه مر بوعكة عابرة، ثم تعافى منها، وقيل إن كل ما قيل هو هَرَف وبُهتان وأكاذيب.

وقبل سبعة أيام، ترددت شائعات ممزوجة بتكذيبات وتأكيدات، تفيد بأن شيخ الحارة مات إكلينيكياً، ولكن لم يتم إعلان وفاته، مراعاةً لما نحن فيه من ضبابية بالغة الإعتام، وهوس يجتاح جميع الجيران الميَّالين بطبعهم إلى السكينة والمسكنة والركون إلى ما يسمونه مناخ الاستقرار ومناخ الطمأنينة.. ومن المعروف أن وفاة شيخ الحارة سوف تبدد شعورنا بالأمان، وتؤجج الصراع بين الطامحين لاحتلال منصبه، الذى دام له قرابة ثلاثين سنة، الدوام لله. ومن المعروف أن «منجى النواح» و«شفيق أبودقيق» هما أقوى المرشحين لخلافة شيخ الحارة، ولكن كليهما ضعيف، ولن يقوى على القيام بمهام المنصب إذا شغر، وليس لديهما من الخبرة ما يؤهل للنجاح، مع أن شيخ الحارة كان يستعين بهما فى بعض الأمور، سراً وعلانية.

■ ■ ■

قبل ستة أيام، صدحت صرخات «ملتاعة» فى جوف الليل، فسمعها من الجيران المؤرقون، وقبيل الفجر انبلجت شمس الحقيقة مكسوفة، وأعلنت وفاة شيخ الحارة، فجأة، وأكد جماعة من الجيران أنه دُفن ليلاً على عجل بالجَبَّانة الكبرى، وتلقى جميع المشيعين عزاء جميع المشيعين فور الدفن، فوق القبر. وقرروا الاكتفاء بذلك وعدم إقامة أى مراسم أخرى للتعزية، تحاشياً لما يمكن أن يُحدثه ذلك من اضطراب عارم، أو تشجيع للأشرار وللمتربصين المتحفزين للعبث بمصائر وسواكن الساكنين بالزقاق والحارتين. استر يا ستار.

وبطبيعة الحال، ونظراً لهول الصدمة المتوقعة، فقد استغرق الجميع جميع ساعات النهار مذهولين، صامتين كأن على رؤوسهم الطير، التى قيل قديماً إنها كانت تحوم فوق رأس الميت قبل أن تنقض عليه وتنزع منه روحه. كلام عجيب. وفى المساء استفاق الناس جماعة تلو أخرى، وتباينت ردود أفعالهم على وفاة الفقيد، فبعضهم راح يبحث عن ابن المتوفى «زغلول» ليعزيه حسبما تقول أصول أولاد الأصول، لكن أحداً لم يجده ولم يعرف أحد أين اختفى. وبعضهم قدح فى صحة خبر الوفاة واعتبره من جملة الشائعات، واستدل هؤلاء على قولهم بأن شيخ الحارة لم يبلغ بعد من عمره التسعين سنة، ولا يُعقل أن يموت مثله ناقص عمر. وبعضهم أقعده الحزن، فاكتفى بالنحيب والنشيج والنهنهة التى تمزق نياط القلب أسفاً وحسرة.

وكان كل قوم بما لديهم مقتنعين.

■ ■ ■

قبل خمسة أيام كان اليوم جمعة، وكان خبر الوفاة قد صح بالتقادم، مثلما تصح عند الجيران معظم الأمور. وطيلة اليوم، انبعثت من الشرفات والشبابيك ومداخل البيوت ترانيم «العديد»، التى تداخلت وتعالت ناعية ومعددة مناقب الفقيد موصوفاً بالشهيد. وعند دخول ظلال المساء وبدء سطوع أضواء الكهرباء، الخافتة، توحدت الأصوات وانتظمت فى إنشاد العدودة المعروفة، التى تعود إلى زمن ما قبل حكم الأسرات، وراحت تنسب بدموع منسابة محاسن الفقيد الشهيد وفضائله التى لم يلمحها أحد، ومتجاهلة بطبيعة الحال ما عُرف عنه من اتساع الذمة ومد اليد والوقيعة بين الناس وفساد الطوية وطىّ الحق ونشر الباطل.. ولولا القاعدة الخالدة القائلة: «اذكروا محاسن موتاكم» لكانت الألسنة قد لهجت بما لا حصر له من ذميم خصاله وقبيح أفعاله.

وبعد صلاة العشاء، شاعت أنباء فتأكدت بعدما كانت قد كُذبت فى الظهيرة، مفادها أن جارنا الطيب «طلبة الطبال»، وهو أحد سكان السطوح المرموقين، اعتزل زوجته والإنس والجان جميعهم، واعتكف فى غرفته غير المسقوفة لتأليف لحن جنائزى لهذه المناسبة الجليلة، وقيل إنه سوف يستوحى اللحن من قصيدة شاعر الزقاق «ميدو ملاهى»، التى ألفها فى مدح شيخ الحارة المرحوم، حين أنهى له الأوراق المطلوبة لتأجيل التجنيد دون رُشى، وهى القصيدة المعروفة التى يقول مطلعها: يا حُسنى، يا حوستى. وظل كل قوم بما لديهم قانعين.

■ ■ ■

قبل أربعة أيام بدأ احتدام الأمور وظهرت الشرارات التى اندلعت لاحقاً، ثم تفاقمت فأمست صراعاً بين الأجيال.. جيراننا أربعة أجيال: الذين تخطوا السبعين من العمر، وهم الذين يسيطرون على مقادير الأمور ومجريات الأحداث. والذين تتراوح أعمارهم بين الأربعين والسبعين، وهؤلاء معروفون اصطلاحاً باسم الجيل الضايع. وجماعة الدليفرى، المتراوحة أعمارهم بين الخامسة عشرة وما تحت الأربعين، وهم المعروفون اصطلاحاً بالجيل الصايع لأنهم يقضون معظم وقتهم خارج بيوتهم، فإذا حضروا طلبوا طعامهم بالتليفونات. وهناك أخيراً جيل الصغار من الصبيان والجوارى من البنات، أى اللواتى مازلن يلهين فى الشارع ويجرين مع أقرانهن، وهم الذين سماهم شيخ الحارة الفقيد الشهيد ذات مرة «الحناكيش»، فغلب عليهم هذا الاسم.

أهل الحل والعقد، أعنى الذين تخطوا من العمر السبعين، حافظوا على هدوئهم وزعموا للجميع أنهم سوف يديرون الأمور بحكمة خلال الفترة الانتقالية، لحين انتخاب شيخ حارة جديد. وأكدوا أنهم لا يوالون أى مرشح ويقفون من جميع المرشحين على مسافة واحدة، وليس لهم غرض إلا الحفاظ على سلامة سكان الزقاق والحارتين.

الجيل المعروف بالضايع لم يهتم بالأمر كثيراً لانشغاله بهمومه الأبدية الأزلية، فالرجال منهم واصلوا مآسى الكدح اليومى سعياً لإطعام أبنائهم، ونساؤهم حافظن على الوتيرة ذاتها دون تعديل وبقين فى حالة الانهماك المنزلى المتنوع ما بين التنظيف والطبخ والشكوى من غلاء الأسعار. لكن ذلك لا يعنى أنهم، رجالاً ونساءً، معزولون تماماً عما يجرى. بل بالعكس، حرصوا جميعاً على المشاركة فى الشأن العام بالترحم على المرحوم والدعاء له بغفران الذنوب ودخول جنة الخلد.

جيل الدليفرى هو الذى تعالى صخبه رويداً، بينما بقى جيل الحناكيش مشغولاً باللعب وذاهلاً عما سوف يجرى على قدم وساق.. حسبما سيأتى بيانه.

■ ■ ■

قبل ثلاثة أيام، فى الصباح، امتدح أهل الحلّ والعقد جيل الدليفرى فى محاولة لاستيعابه وتهدئة خواطره المهتاجة، وانتشرت على بعض الشرفات لافتات تقول: الشباب هو المستقبل وليس الحاضر. الشباب هو شعلة الحضارة لكنها شعلة هوجاء، الشباب طاقة تحتاج للترشيد والتوجيه والإصلاح.. وغير ذلك من سواقط الأقوال الداعية إلى الحوار بين الأجيال.

المتحمسون من شباب الدليفرى رفضوا الدعوة إلى الحوار، ورفعوا شعارات مضادة وغير مهذبة، كان منها قولهم بزعيق: الخناشير مناشير.. شيخ الحارة خرب العمارة.. لا شيخ بعد اليوم.. كفاية، آه، كفاية! وسرعان ما نظم هؤلاء المندفعون مسيرات راحت تجوب الحارتين والزقاق، ولا تتوقف إلا فى وسط الميدان.

فى المساء كانت المساومات، ومحاولة الاستقطاب، إذ سارع المرشحون لشغل المنصب الشاغر فى استمالة مجموعات من شباب الدليفرى، فاستطاع «منجى النواح» الحصول على تأييد جماعة منهم، من أهمهم: ميمو المسطول، مودى الزنان، كيمو، محه الممصوص، أحمد النسناس.. وفى المقابل، حصل «شفيق أبودقيق» على تأييد جماعة أخرى لا يستهان بها، لأن منها: يُسرى السحاب، هبة جوينت، مفّه، داليا طحن، حمادة ألاعيب.

وانشق عن هذين الفريقين فريق ثالث دعا إلى عدم انتخاب شيخ حارة جديد، على اعتبار أن الزمن تجاوز هذا المنصب الهلامى مع الاعتماد على الكمبيوتر، ولا يصح العودة إلى الوراء. وفريق رابع رفع شعارا من كلمة واحدة غير مفهومة، هى: أناركيه، أناركيه. وفريق خامس اعتزل الأمر كلية، وانزوى عن المشهد مواصلاً سعيه السابق للحصول على عقد عمل فى بلاد الخليج.

وبقى كل فريق، على عقيدته، لا يلين.

■ ■ ■

قبل يومين ذاعت انتقادات قاسية لجيل الدليفرى، دون تمييز بين فريق منهم وآخر، وقد بدأت بخطبة منبرية فى غير الموعد ردد فيها إمام الزاوية الأقوال المأثورة عن عجائز الحى ومشايخه المنعوتين بالخناشير، فكان من هذه المأثورات، الدليفرى أصلاً حرام.. طالب الدليفرى كافر بالحق مناصر للبطلان، وبطران، وفى النهاية خسران.

واتبع إمام الزاوية المأثورات والثوابت، بشرح تفصيلى قال فيه إن هواة الدليفرى معاقون عقلياً وعاقون للأمهات اللواتى أرضعن فى الصغر ويطبخن فى الكبر، لكن الضلال المبين جعل الأبناء والبنات المنبوذين والمنبوذات يفضلون أكل الشوارع ولو كان الأكارع. ويكسرون خاطر الأمهات الطاهرات الطابخات، المتبتلات المتبلات الطعام بالمقدار الواجب من التوابل والأفاوية.. واختتم الخطبة بكلام عامى، بعد الكلام الفصيح، فقال: يا سايب أكل أمك ورايح للفود الجنك، بكره تندم وتنعدم صحتك وحياتك تبقى ضنك.

الخطبة ألهبت المشاعر وهيجت النفوس الشابة، فاشتبك بالعراك جماعة من أنصار الإمام، تناصرهم جماعة من سكان السطوح، مع حزب الدليفرى المعروف اختصاراً باسم «زيرو فات» مدعوماً ببعض شباب الحزب اليسارى المعروف باسم: دايت.. وقد وقعت فى العراك إصابات وصف بعضها بأنه خطير. وفى الليل تجددت الاشتباكات، وشاعت أنباء غير مؤكدة تقول بوقوع قتلى بين أفراد «زيرو فات» نظراً لضعفهم. وزاد الطين بلة، انقطاع التيار الكهربائى وانعدام الشموع.

■ ■ ■

أمس، كان يوماً دامياً من أيام المآسى، ففى الصباح احتدت البنت المتهورة «بسملة» ابنة الحاجة «حمدلة» على جارهم سلامة السباك، واتهمته بأنه حصل على مبلغ مالى من المرشح «النواح» وكتب اسمه فجراً على جدران البيوت متبوعاً بعبارة: منكم ولكم ولا غنى عنه، ثم حصل على مبلغ مالى آخر من «أبودقيق» وعلق فى الصباح الباكر على مدخل الزقاق لافتة مكتوبا عليها: السكر والدقيق مضمون بس مع أبودقيق.. ولم ينكر سلامة السباك ما فعله، معللاً إياه بأنه: أكل عيش. فصرخت فيه «بسملة» قائلة إنها خيانة للأمانة، واشتد الصخب حتى وقت الظهيرة وانقلب عصراً إلى تشابك بالأيدى، ما لبث قرب المغرب أن صار قتالاً بالأسلحة البيضاء والملونة.

بعد المغرب ساد السكون عند موعد المسلسل التليفزيونى، ثم اجتمعت الجماعات المتناحرة مجدداً وكادت تنهمك فى قتال جديد، لولا أن الكهرباء انقطعت، وتزامن ذلك مع وصول الشرطة واعتقالها لكثيرين.

■ ■ ■

اليوم، لم يذهب الآباء إلى عملهم ولم تطبخ الأمهات، وجميعهم متوجس وينتظر ما سوف يكون. الرجال فى الشرفات والنساء تطل من الشبابيك، ومن بينهم وبينهن ينظر «الحناكيش» بعيونهم وعيونهن المندهشة، وساعة ارتفع أذان الظهر دخل الزقاق مأمور القسم وقال بصوت عال: شيخ الحارة ليس بالانتخاب، أنا الذى أختاره من بين المخبرين، وقد اخترت «زغلول» شيخاً للحارة بدلاً من أبيه الذى لم يمت، وإنما ذهب ليرتاح فى دار الاستشفاء. والمعتقلون بالقسم سأُفرج عنهم تباعاً إذا تابوا وأنابوا وعادوا إلى سواء السبيل، ولن أتهاون مع مثيرى الشغب وهواة اللعب بعد اليوم، وليس أمامكم من الآن إلا طريقان: طاعة زغلول، أو المصير المجهول.

فى صوت واحد، أعلن الرجال والعجائز والنسوة والباقون من الشباب والشابات واليافعون واليافعات، أنهم سيقدمون فروض الطاعة عن يد وهم صاغرون.. الحناكيش لم يعلنوا شيئاً واكتفوا بالدهشة، إلى حين.

■ ■ ■

غداً.. قد يكون كما كان اليوم، وقد لا يكون.




#سلاسة_السلاسل

«أحب هذه الطيور، وأحسدها، لأنها تستطيع ما لن أقدر عليه أبداً: التحليق عالياً، وبعيداً.. آه لو صرت يوماً واحداً من هذه العصافير المحتشدة فى صخب العصارى، حول الشجرة الوحيدة الباقية قرب البيت بعد المذبحة التى كانت قبل سنوات، واجتثت فيها الأشجار الكبار المصطفة بانتظام على طول الرصيف، وكانت فروعها تضايق شرفات وشبابيك السكان. قالوا أيامها إنهم سيقطعون هذه الأشجار، لا لشكوى السكان وإنما خشية أن تضغط جذورها القوية على أساس البيوت المطلة على الميدان، فتسقطها. وقالوا إنهم سوف يزرعون مكانها أشجاراً أرق منظراً وألين جذورا، وقيل إنهم غرسوا صباحاً شجيرات تشكو اليرقان، وظهراً اقتلعها الصبيان الذين كانوا يلعبون فى الميدان. أنا لم أشاهد هذه الشجيرات ولم أشهد اقتلاعها، لكننى أصدق ما يقال بدلاً من إجهاد نفسى فى التكذيب والشك وطلب الدليل.. لو صرت عصفوراً لهجرت هذه الشرفة الضيقة، محدودة المطل، وهاجرت من دهاليزى الخانقة إلى غير رجعة. يا سلام. سأتخلص بذلك من كل ما يضايقنى، ومنى، وممن يحيطون بى ويرخون السلاسل اللامرئية حول عنقى وقدمىَّ وأنفاسى، ثم يتركونها تنكمش فتضيّق الخناق. لو صرت عصفوراً، سوف أسكن قبة الأفق ولن أحط إلا بالنواحى الرحبة البعيدة التى لم يجتمع فيها البشر، ويشوهون ما فيها. هه. ما يدرينى؟! فربما استجابت السماء بمكر لأمنيتى، فصيِّرتنى طائراً لا يطير فأكون - لا قدر الله - كالبط منتوف الريش. نعم، هذا وارد محتمل ولن يحتمل. لا، هذا هو بالفعل حالى الذى يتحدى احتمالى، فما أنا إلا كذكر بط منتوف الريش..».

اقتحمت رائحة البصل المقلى الشرفة، وعاصرت الزاوية القابع فيها «خالد خلاع» مستمتعاً بدوران شظايا الخواطر العصفورية، المحلقة به بعيداً، فقام متأففاً وأوصد عليه ضلفتى الشرفة ثم عاد ليتخندق فى موضعه الأول، ويوالى هيمانه مع خواطره المريحة لأنها مستحيلة، ولا تكلفه أى مجهود.. وبطبيعة الحال، لم ينتبه «خالد» إلى أن أمه العجوز «محفوظة الحضرى» جالسة هى الأخرى بالزاوية ذاتها، فى الشرفة الأخرى. الشرفتان متقاربتان، لكن الدولاب المعدنى الطويل الموضوع فى شرفة غرفة «خالد» وزوجته «ثناء»، يعوق النظر إذا أراد أن يمتد بين الشرفتين، ويمنع بينهما الرؤية.. الشرفة الأخرى فيها هى الأخرى كراكيب كثيرة وكراسى مهشمة لم ترض أمه عن التخلص منها.

عاد «خالد» إلى خواطره الخطيرة آملاً أن يستكين كى يستكمل جولان أمنياته الهوجاء، إلا أنه سقط فجأة فى بئر الذكريات، إذ سأل نفسه سؤالاً لا معنى له ولا داعى، عما إذا كان قد أخطأ حين هجر «نهال» التى كان يظن أنه يحبها، وتزوج هذه الثناء المنهمكة الآن فى الطبيخ لإعداد وجبة الغداء؟! قال فى نفسه: لا، ليس هناك أى خطأ، فأنا لم أتأكد قط من حبى لها، وهى لم تقل يوماً إنها تحبنى. كانت تغتاظ من ترددى، مع أنه طبيعى فى تلك الأمور المصيرية، ولما تحدثت معها بصراحة صدمتنى بأننا لن نصلح كأزواج، وكانت يومها منزعجة فأفزعتنى:

- ليه بتقولى كده يا نهال؟!

- لأنك أصلاً، لسه موش عارف إنت عاوز إيه..

- يعنى هاكون عايز إيه، متهيأ لى إننا بعد أربع سنين مع بعض، طبيعى بعد كده نتجوز.

- أيوه يعنى، على أساس إيه؟ وبعدين إنت متأكد إننا فعلاً مع بعض من أربع سنين.

- طبعاً، إحنا بنتقابل فى الكافيه ده كل فترة، وبنسأل على بعض بالتليفون، وبفكر فيكِ كتير. يعنى بحبك..

- يا خالد، قلت لك ميت مرة قبل كده، الحب حاجة والجواز حاجة تانية خالص.

- قصدك يعنى يا نهال علشان مرتبك أكبر من مرتبى بكتير! ما هو ده طبيعى، إنت بتشتغلى فى شركة خاصة، وأنا موظف متثبت فى الحكومة، يعنى وظيفتى مضمونة..

- المرتب مالوش دعوة، موش هو ده قصدى.

- أمَّال قصدِك إيه، قولى بصراحة يا نهال، إنت موافقة نتجوز ولا لأ؟

- لأ.

كان الكلام غير مُجدٍ، والسنوات الأربعة، فكانت تلك هى الجلسة الأخيرة والنهاية الرخيصة للقصة السخيفة التى شعر «خالد» بأنها لم تكن مفيدة فى أى شىء.. لكن إلحاح أمه الدائم لم ينقطع، ولم تفوِّت أى فرصة أو وسيلة إقناع: يا بنى نفسى أفرح بك! متى أرى أحفادى! لابد من الزواج! أنا رجلى والقبر! ربنا يهديك يا بنى وتسمع الكلام!

وهكذا صارت «ثناء» المرشحة الأولى، والوحيدة، زوجة.. ومضت أربعة أشهر من دون حَبَل، فعاودت الأم الطنين: خير يا «ثناء» لسَّـه مفيش حاجة! يا صبر أيوب! يا بنى خدها لدكتور يمكن فيه مشكلة!!

«المشكلة لن تفهمها أمى أبداً. ففى ليلة العُرس كانت زوجتى مطلية الجسم بالكريمات العطرية، ومفحمة الأنحاء بالرائحة البرفانية الفواحة، فأقبلت عليها مدفوعاً بحرمان لحوح، وثأرت بها من شُـحِّ السنوات الطوال. وتم المأمول ولكنها لم تحمل. فى اليوم التالى تحمِّمت «ثناء» وأسبغت، فشممت حين اقتربت منها رائحة جسمها، فانهارت عزائمى. هذه الرائحة لا اسم لها، ولم أشم مثلها من قبل، لكنها فى خاتمة المطاف، منفرة. احترت أياماً واحتارت معى فبدت غير شهية بالمرة، وفى ليلة رائقة النسمات تجاورنا فيها بالشرفة، طلبت منها بعد صمت طويل أن تتعطر عند اللقاء الفراشى، ففعلت، وليتها عصت. فقد امتزجت بالعطر الردىء رائحة جسمها، فصارت فى أنفى كالغاز الخانق، وانهارت مجدداً عزائمى.. وازداد الانهيار بعد أيام، عندما أخبرتنى «ثناء» بصوتها المتحشرج أن أمها أخبرتها بما أخبرها به الطبيب، فنفرتُ أكثر، واقترن بالنفور الغيظ من نظراتها الغبية، ومن ضحكاتها المفتعلة، ومن تزلفها المكشوف لأمى. صرت أعافها، ولا أحتمل رائحتها فى الفراش، فأولى وجهى إلى الجهة الأخرى، لأرحم نفسى بقدر المستطاع من الشم واللمس والسمع والنظر، ومن التذوق والحاسة السادسة.. وليت أمى، مع ذلك كله، ترحمنى من الترهات وسخائف العبارات والإصرار على إنجاب ولد لكى يخلد اسمى. كيف سيخلد اسمى إن كان إنساناً محكوماً عليه بالموت بعد حين، وسوف يحتاج بدوره إلى من يخلد اسمه! ولماذا أسمونى بهذا الاسم الكاذب «خالد» وهم يعلمون أننى فانٍ مثل بقية البشر، وليس هناك خالد إلا الله».

■■■

«ما آخرة هذا العذاب الذى لحق بى من حيث لا أدرى، وكيف سأصبر على زوجى المهزوم هذا، الجالس فى شرفته مثل كومة من الفخار المتكسر، ينتظر ما أطبخه للغداء. هو لم يكن زوجاً إلا ليلة واحدة، بعدها خرج من الخدمة إلى غير رجعة، ولم يعد قادراً على شىء إلا الشكوى من ضيق صدره وأنفاسه، ومن ضعف ساقه وركبتيه، ومن أن ملاءات السرير ليست نظيفة.. أمى - أكرمها الكريم - هى التى كشفت لى سِـرَّه بعدما أخبرها به الطبيب وصدمها بالحقيقة المفجعة:

- شوف بقى يا «سُـن سُـن» أنا سألت الدكتور «عنتر» عن الوضع بتاع جوزك..

- هو فيه دكتور اسمه عنتر!

- أيوه، ده جار «يسرية» بنت عمى، ومراته صاحبتها، أنا حكيت ليسرية وهى حكت لصاحبتها وهى حكت لجوزها وعرفت منه كل حاجة.

- عرفت إيه يا ماما؟

- جوزك عنده عجز، ولازم يتعالج، واحتمال كبير يكون مفيش رجا منه، بس إنتِ لازم تصبرى، لحد ما نشوف آخر الموضوع.

- بس يا ماما، هو يعنى أول ليلة كان كويس!

- أيوه، أنا قلت كده ليسيرية وقالت لمرات الدكتور وهو قال لها إن دى كانت صدفة.

- يعنى إيه صدفة؟ يعنى خلاص يا ماما مُش هاتتكرر تانى أبداً.

- الدكتور عنتر بيقول إنه أكيد ليلتها كان واخد أدوية كتير علشان يقدر، وبعدين هبط.

- طيب أعمل إيه دلوقت يا ماما؟

- انسى الموضوع ده خالص، وركزى مع أمه الحيزبونة علشان ماتتقلبش عليكِ، وبعد كام شهر كده نشوف هايحصل إيه، ونتصرف».

احتارت «ثناء» فيما يحيط بها، ولم يكن يخطر لها من قبل على بال، ودامت حيرتها شهراً أو خمسة أسابيع وبعد ذلك اعتادت على العبودية المقنعة، وتقبلت كونها خادمة مؤقتة، بغير أجر، تنتظر الفرج الذى قد لا يأتى.

وهى تقشر البصل وتقطعه، سالت مع دموعها مسارب الذكريات البعيدة والقريبة، وتدفقت. كان آخرها ما جرى ليلة أمس عندما كانوا جالسين، ثلاثتهم، بالصالة يشاهدون بعيون المشنوقين فيلماً مملاً مليئاً بالمواجهات الشرسة بين الأشرار والأخيار، وسوف ينتصر الخير بطبيعة الحال فى النهاية، مثلما هى العادة فى أفلامنا، لا ينتصر الخير إلا فى الأفلام. فجأة، ومن دون أى مناسبة، قالت «محفوظة» أثناء إلقاء بطل الفيلم وابلاً من الطلقات، إنها تود أن يأكلوا فى غداء الغد بازلاء! وفى الصباح، أثناء دوام «خالد» فى وظيفته الهلامية الحكومية، ذهبت ثناء إلى السوق فاشترت الخضروات ونصف كيلو لحم «موزة» لا يشبه أى موز، وجادلت البائع فى السعر، بقدر ما استطاعت مستعملة البراهين المعتادة: اللحم المستورد أرخص فى الجمعية التعاونية!

- روحى هاتى من هناك.

- أنا خدت منك نص كيلو من أسبوع، وكان أرخص من كده.

- ده كان من أسبوعين، وبعدين كل حاجة بتغلى، إلا البنى آدمين.

- بس اللى بتطلبه ده كتير.

- مافيش حاجة تكتر عليك يا قمر، خديه ببلاش خالص بس هاودينى وريَّحى بالى، وأنا أدلعك آخر دلع..

- يا راجل عيب على شيبتك.

- الدهن فى العتاقى.

وهى تقلى البصل مع بعض فصوص الثوم، هاج الوجد بقلب «ثناء» وصعب عليها حالها فاستكملت بكاءها، بلا بصل، حتى احمرت التقلية فألقت فوقها الطماطم المقطعة والصلصة المذابة فى كوب ماء.. تهرأت قطع الطماطم مع دوام التقليب، وكانت قطع اللحم المسلوق تدور فى حسائها بالإناء الآخر الموضوع فوق النار، مثل ثناء. حدقت بذهول وهى تسكب التسبيكة وحبَّات البازلاء وقطع الجزر الأصفر، فوق اللحم المسلوق، لأنها تمنت لوهلة أن تلقى فى الإناء ببعض سم الفئران. ثم ثابت لرشدها، واستغفرت ربها، وعادت لإيقاعات الاستسلام. خلال الدقائق القليلة التى كان الإناء الأول يهرك محتوياته تحت قوة الغليان، كانت «ثناء» قد غسلت كوبى الأرز، وأضافت إليها المقدار ذاته من الماء، وتركت الإناء الألومنيوم المسمى «حلة الرز» لدقائق فوق النار القوية. فبدا لها أن وجبة الغداء أوشكت على الاكتمال، فبدا لها أنها أيضاً أوشكت على الانتهاء والذبول وفقدان المعنى واكتمال الحسرات.

كان يمكن لثناء، بعدما هدأت النار تحت الإناءين، أن تخرج من المطبخ حتى تنقضى ساعة النضج على النار الهادئة، لكنها فضلت البقاء حيث هى، كيلا ترى زوجها وحماتها إن خرج أحدهما من شرفته التى ينتظر فيها الانتهاء من إعداد الغداء. الجو هنا حار، والبخار يملأ الأنحاء بالرائحة الشهية لمن يشم، الخانقة لمن فقد الشهية.

شعرت «ثناء» وهى تنظر نحو الموقد المتراقصة عيناه باللهب الخفيف أنها فقدت كل ما كانت تتمناه، أرادت «السعد» فوجدت التعاسة، وأرادت إرضاء حماتها، فوجدتها خرفة لا تعرف معنى الرضا، وأرادت زوجاً تتفاخر به بين القرينات ففضحها بين الأقارب، أرادت عموداً صُـلباً تستند بظهرها إليه أحياناً ،وأحياناً تحتضنه فوجدت حبلاً مرتخياً لا يصلح إلا لصنع مشنقة.. وكانت فى طفولتها تريد تغيير اسمها هذا الذى تكرهه، وتتمنى استبداله باسم رقيق مثل «ندى، مى، نورهان» لكنها عرفت أن كاتب السجل المدنى سمع من أبيها الألثغ الاسم المختار «سناء» ثناء، وصُـدمت حين عرفت أن معنى اسمها الرسمى: مدح! واستسلمت بعد الحسرات الأولى عندما أخبروها أن الأسماء لا يمكن تغييرها.

■■■

«هوسة. حياتى التى تتهيأ للانتهاء كانت كلها هوسات» لا معنى لها، ولم يعد عندى من ذكرياتها الكثير، لأنها أصلاً كانت خاوية وليس فيها ما يستحق التذكر. نعم، شعرت بالسعادة يوم خرجت من بيت أبى إلى هذا البيت، إذ ظننت أننى تحررت من سجنى الكريه. لكننى اكتشفت أنه كان مجرد انتقال من زنزانة لأخرى، فزوجى «صبحى الخلاع» غيور هائج لأوهى الأسباب، طويل اليد واللسان، وكان يلتزم حرفياً بوصايا أمه الخالدة التى اسمها خالدة: (ادبح لها القطة! خليك معاها راجل وملو هدومك! بلاش الهزار معاها علشان الدلع آخرته تخوف! اضرب المربوط يخاف السايب).. منها لله هى وابنها الذى ضيع عمرى هباءً منثوراً، فلم أخرج من صحبته إلا بولد لا يستطيع أن يعطينى حفيداً، وبعد معاناة استطالت عشرين عاماً، صرت «أرملة» وأماً لطفل وحيد وأنا لم أبلغ من عمرى الأربعين. واليوم، على مشارف السبعين، لم أعد أحلم إلا بالحفيد المستحيل.. آه يا ركبتى».

كانت أم خالد على وشك استعادة ما تهمس به لنفسها كل يوم، من ظلم أبيها لها ثم زوجها ثم الأقارب الذين نصحوها بعدم الزواج بعدما ترملت، لأنه عيب ولن تستطيع المحافظة على ابنها. وكانت كالمعتاد سوف تنتهى من تأملاتها اليومية إلى النتيجة ذاتها: مطلوب منها منذ يومها الأول أن تحافظ على سمعة أبيها، ثم سمعة زوجها المتهور، ثم مستقبل ابنها الضعيف.. هى دائماً وأبداً حافظة، مع أنها اسمها محفوظة.

لم تستكمل العجوز التأملات لأن «ثناء» قطعت حبل أفكارها المتهرئ، وهى تصطنع الابتسام أملاً فى الحصول على الرضا أو حتى الحياد، لحين بيان البيان.. قالت: البسلة خلصت والأكل جاهز على السفرة.

■■■

اجتمع الثلاثة على مائدة الغداء، وأكلوا وهم صامتون.


#خواطر_غروبيّة

لم أعرف أهمية شرفة شقتى، ولم أرتبط بها وأرابط فيها معظم الوقت، إلا فى السنوات الأخيرة، أعنى بعد إحالتى القسرية إلى الخمود المسمى رسمياً «المعاش»، ثم الوفاة المفاجئة لزوجتى التى نامت مساءً، ولم تستفق صباحاً. نعم، بهذه البساطة غير المتوقعة رحلت عنى «رئيفة» رفيقة العشرين سنة الممتدة من ترقيتى إلى درجة «أمين سجلات» وزيادة مرتبى جنيهات جرأتنى على الزواج فى سن الأربعين، إلى إزاحتى عن وظيفتى كرئيس لقسم الأرشيف فور بلوغى الستين. حزنت وحزنت «رئيفة» وبعد ثلاثة أشهر من مكوثى الدائم معها فى البيت، ماتت، مع أننى كنت آنذاك قد بدأت أراها بشكل مختلف وأعيد اكتشافها من جديد، أو كانت هى قد بدأت فى الظهور لى بشكل مغاير أملاً فى إبقاء شمعة الحياة مشتعلة، وباعثة على الدفء فى بيت لم ينعم ببهجة الأطفال ومتاعبهم.. بعد اجتهاد لاكتشاف السبب، وتحاليل سخيفة، أكد الطبيب أننى فى عافية لكنها غير كافية للإنجاب، وشرح لى ولها أن القدرة البدنية الجيدة لا تعنى بالضرورة القدرة الجيدة على الإخصاب. نظرت لى «رئيفة» يومها باستغراب، فسألت الطبيب مستغرباً كلامه، فقال: يعنى صحتك كويسة، بس الحيوانات المنوية عندك ضعيفة جداً وفى حكم الميتة.

فى طريق عودتنا للبيت سالت منى دموع الحسرة على الحى الذى يبث الموت فى الحياة، وحين أرحت على المخدة خدى أجهشت وتدفقت من عينى ليلتها دموع وفيرة. هى لم تَبْكِ، ولم تُشِرْ إلى مأساتنا من بعد ذلك، قط، وتهامست مع القريبات حتى اشتهر عند الأقارب والمعارف والجيران أنها عاقر.. احتملت نظرات الإشفاق وفلتات اللسان الجارحة والعواطف الباردة المعلبة، تسعة عشر عاماً، لكنها لم تحتمل لمدة شهرين ألم بقائى فى البيت طيلة الوقت بلا عمل إلا الرثاء للذات بمناسبة بلوغى من العمر السنة الستين، وماتت وهى فى الخمسين من عمرها. غمرنى وقتها ما يشبه اليقين فى أننى سألحق بها بعد أيام أو على الأقصى بعد أسابيع، ولكن مرت سبع سنوات علىَّ وحيداً وصامداً إلى حين أمام الموت. المآل الحتمى. كل ليلة أسلم نفسى إلى الفراش مستسلماً لهاجس الفناء، وراضياً، فأصحو فجراً مندهشاً من بعثى ومن ضرورة أن أبقى حياً لفسحة من الوقت، ليس لها عندى مقدار معلوم.

اعتدت الجلوس فى شرفتى فجراً، وصباحاً، وضحى. وبعد القيلولة، أعود للجلوس بموضعى لأرى العالم عصراً وغروباً ومساءً يطول إلى ما بعد منتصف الليل.. فى بداية اعتصامى بالشرفة اكتشفت أنها موقع متميز لاستكشاف كل ما يصطخب فى الزقاق والحارتين المتفرعتين منه، فى الوادى والدلتا، لأنها فى الطابق الأول من «بيت فرعون» الذى تتفرع بعده الحارتان، وهى قريبة من الشارع وأقل علواً لأنه رُصف بعد بناء البيت بزمن ارتفع فيه مستواه عن مدخل البيت بأربع درجات هى العتبات النازلة إلى مدخل البيت، والصاعدة منه إلى أرض الزقاق، ومع هذا القُرب، والقضبان الحديدية الكاشفة، الشرفة مرصد متصل بالدنو ومنفصل بالعزلة وبالتزام الصمت والسكون فى الجلسة مساءً وصباحاً. أنا المتصل المنفصل. واكتشفت من دوام جلوسى بشرفتى معنى الأنس بالناس مع عدم التماس، وفهمت ما كنت قديماً أسمعه من أبى حين يكرر قوله: الناس بالناس، والجنة من غير ناس ماتنداس.

فى الجنة أناس مشغولون بما هم فيه، عن الاختلاط والتداخل فيما بينهم، والبراح الممتد بينهم يحول دون نشوب الخلافات. معظم الجيران سيدخلون الجنة، فيما أظن، لأنه لا يُعقل أن يعانوا فى الدنيا وفى الآخرة. أو هم على أقل تقدير، لن يحترقوا بنار الجحيم الأخروى بعد هذا التعذيب الدنيوى اليومى. أظن ذلك لكننى غير متأكد منه. لست متأكداً من أى شىء، ابتداءً من بقائى حياً ليوم غد، مروراً بدلالة الوخزات التى أحس بها أحياناً فى صدرى وركبتى. قد تكون فواتح الذبحة التى سوف تنتزعنى فجأة من هذا الضجيج، وقد تكون نتاج لفحة هواء بارد مر عرضاً ببدن رجل وحيد، بلغ من العمر السابعة والستين. اللطفاء من الجيران يجاملوننى حين نلتقى فى المرتين اللتين أخرج فيهما كل أسبوع لشراء مستلزمات بقائى المؤقت، حياً، ويكذبون بعبارات من مثل: ما شاء الله عليك يا عم الحاج، ربنا يديك الصحة وطولة العمر يا عم عبدالمجيد.. والحذاق من كبارهم سناً، والمتحاذقون، يقولون مبالغين ما يدل على دوام المودة لأعوام طوال: اللهم لا حسد، شكلك رجعت شباب يا جودة، اللى يشوفك يديك خمسين سنة بالكتير، إحنا لازم نلاقى لك عروسة.. وبعضهم يقترح علىَّ من بين الجارات أسماء لنسوة داس عليهن الزمان، ومازلن صالحات للزواج برجل. آلت شمس حياته إلى خط الزوال الغروبى.

الجيران المتكدسون فى بيوت الزقاق والحارتين طيبون فى معظم الأحيان وفى بعضها خبثاء، وهم يبتهجون ظاهراً ويُظهرون علامات الرضا ماداموا متسالمين، فإذا تنازعوا انقلب اللطف عنفاً والتسامح بؤساً وبأساً شديداً. ولأنهم ضعفاء، فهم يكذبون دوماً، بل ويحبون أن يكذب عليهم الآخرون، وتلافياً لألم الصدق يكذبون فى تعريف الكذب ويسمونه بأسماء أرق: المجاملة، الواجب، جبر الخاطر، الخال الطيب.. وهذا مريح.

يقولون «الصدق ينجى» وأقول فى نفسى: والكذب يريح! المرحومة «رئيفة» كذبت منذ ستة وعشرين عاماً، وحافظت على كذبتها حتى ماتت، فأراحتنى بذلك من شفقة الآخرين ومصمصة الشفاه رثاءً لحال رجل لا ينجب، وأراحت نفسها من طنين أهلها إذا أدركوا حقيقة الحال، فسال لسانهم بالمقترحات المؤرقات مستحيلات التنفيذ: ياختى انتِ ظالمة نفسك معاه، اطلبى الطلاق وربنا يبعت لك راجل غيره يفرّحك بعيل، إنتِ لسه فى عزك وكل حبة ولها مكيال.

كانت «رئيفة» تعلم بأنها ليست من جملة الجميلات، وعاطلة عن العزوة والمال وبقية الأشياء التى تثمن النساء وترفع رأسهن أمام استعلاء الأزواج. تزوجتها بعد شهور قليلة من عبورها سن الثلاثين، وارتاحت معى، فأرادت بهذه الكذبة البيضاء أو بالأحرى الرمادية، أن يدوم ارتياحها ويندفع عنها قلق التقلق واضطراب البدء من جديد. لو كانت أيامها طالبتنى بالطلاق لوافقت آسفاً، لكنها كانت ستعانى مرارات المطلقات وحسرات المنتظرات لزيجة أخرى ربما لا تأتى أبداً. هى ارتاحت معى، وقد تكون قد أحبّتنى ولم تصرّح لى بذلك لأنها خجول، وصامتة دوماً. كانت تخبرنى باحتياجات البيت، ولا تلومنى إذا تأخرت فى إحضارها وإذا تأخرت فى جلسة المقهى وإذا ترفقت فى طلب حقوقى الفراشية. وعاشت مرتاحة عشرين سنة فى سلام، حتى رحلت عن شُح دنياها فى سلام، وصارت تراباً.

أتراها الآن فى الجنة، تنتظرنى؟ أعتقد ذلك، لكننى لست متأكداً منه، هى بالقطع لم تذهب إلى النار، فهى فيما أظن لم ترتكب ما يقودها إلى بؤس المصير. فهى فيما أعلم، لم تضحك يوماً بصوت عال، ولم ترقص، ولم تحلم بموبقات، ولم ترفع صوتها أمامى قط. وكانت مطيعة، والزوجة المطيعة تدخل الجنة غالباً. فمن المعروف أن الجنة تحت أقدام الأمهات، لكنها نشأت فى رعاية عمها يتيمة الأم تعيسة الأب، فليس لها إلا الطريق الآخر: إذا صامت المرأة وصلَّت وأطاعت زوجها، دخلت الجنة.. الجنة تحت أقدام الأمهات وتحت أيدى الأزواج، ومادام أمرها بيدى فسوف أوصى بدخولها الجنة لأنها كانت لا تعصى لى أى أمر. عموماً، الأمر بيد الله لا بيدى، وأنا سأمثل قريباً بين يدى الله وليس بيدى ما يدخلنى الجنة أو يلقينى فى النار.

لم أعص أمر الله علانية، وكل الهنَّات البسيطة التى مررتُ بها، أو مرّت بى، كانت فى الخيال. والله يعفو عن كثير. نعم كنت أشتهى «روح» زوجة جارى، لكننى لم أُظهر ذلك، وكنتُ أتمنى موت رئيس القسم لأتولى مكانه. لكنه استكمل مدته حتى بلوغ سن المعاش، فلم أتمتع برئاسة القسم إلا ثلاثة أعوام ولم أجد خلالها البهجة التى حلمت بها. وكنت أحلم أحياناً باليافعات الناهدات من الجارات وصغيرات الموظفات، وأنزوى، لكن الأحلام تأتى بلا اختيار ولا عقوبة إلا على المختار.. لست مستحقاً للنار، ولا مؤهلاً للجنة! فلم أرتكب ما يقودنى إلى هذه، ولم أكتسب ما ثوابه تلك. أين سأذهب بعد موتى؟

***

صحوت فجر اليوم متأخراً عن موعدى بساعة، مع أننى نمتُ قبل موعدى المعتاد بقليل. لا فرق بين الصحو والنوم، وما عادت تأتينى الأحلام التى أستحضرها حين يؤوينى السرير. برد الليلُ منعنى أمس من السهر، وبرد الفجر يعوقنى عن الجلوس فى الشرفة. راودنى خاطر العودة إلى السرير، فدفعه خاطر البقاء ساعة لأنعم برحيق الصباح. ببطء، أعددتُ كوب الشاى ومزجته بشىء من الحليب، وعدتُ بحرصٍ لأحتسيه على مهل فى ظلام الصالة. وببطء، فى السابعة إلا الربع فتحتُ باب الشقة. وجلستُ على الكرسى القريب منتظراً نزول البنت «يسرة» إلى مدرستها الثانوية، كالمعتاد. وكالمعتاد، دبّ فى بدنى الدفء حين سمعت دبيب حذائها المدرسى على الدرج الهابط، فتهيأتُ لأحد الحوارات اليومية الممتعة:

- صباح الخير يا عم جودة، شكلك لسه صاحى من النوم.

- لأ يا عروستنا الحلوة، صاحى من ساعة. بس الدنيا برد، وشكلى كده هارجع أنام تانى.

- يا بختك. أنا صاحية بالعافية النهارده، المدرسة دى حاجة مزعجة، مفروض تبقى متأخرة شوية علشان نعرف ننام كويس.

- ولا يهمك يا يسرة، أول ما تخرجى للشارع النوم هايروح وتلاقى نفسك نشيطة.

- طيب يا عمو، إنت موش عاوز حاجة.

- عاوز سلامتك.

البنت لم تكد تبلغ السابعة عشرة من عمرها، لكنها استكملت كل شروط الأنوثة. سبحان الله. لو كنت فى مثل عمرها لمشيت خلفها حتى بلوغها المدرسة، وانتظرتها قبيل انتهاء اليوم الدراسى لأنعم برؤيتها مرتين. وربما كنت قد تجرأت وخططت لها رسالة مطولة أبث فيها تباريح الهوى. ما عادوا اليوم يكتبون رسائل للحبيبات، وعندما كانوا يفعلون ذلك فى زمانى، خفت من الإقدام على خطوة كنتُ أراها خطيرة. ليتنى أيامها خاطرتُ. لو عاد بى الزمانُ فجأة، لعارضتُ أبى عندما أصرَّ على إلحاقى بالثانوية التجارية لأتخرج بسرعة وأساعده على صعوبات الحياة. ولكنتُ قد اجتهدتُ حتى ألتحق بالجامعة فأصير شاباً لامعاً يعجب الفتيات، ويخط رسائل الالتياع والاشتياق إلى كثيرات، فيكون لى حبيبات مبهجات الطلة مثل «يسرة».. آه.. وكنت قد غامرتُ بطلب يدها، واحْتَلتُ حتى احتويت قلبها ورضا والديها فتزوجتها وهى فى هذا العمر المشرق، وطلبت منها كل ليلة أن ترقص لى. لابد أن رقصها بديع. وكنتُ قد تعطَّرت لها وجلبت لها العطور، فيصير سريرنا فواحاً بعطورنا ودافئاً وشهياً.. هذه الأمنيات مرهقة، سأقوم لأغلق هذا الباب المفتوح بلا طائل، وأعود للنوم هرباً من وقت يمرُ بلا جدوى.

صحوتُ من النوم ساعة الضحى، فأعدتُ ما أعددتُ فجراً من شاى ممزوج بالحليب. هذا المشروبُ مائع ولا خصوصية لمذاقه، فلا هو شاى ولا هو حليب! أنا شاى بحليب ولا مذاق لى. لو سارت حياتى التى لن تعود، حسبما كنتُ أريد، لتخرَّجت فى جامعةٍ إلى وظيفةٍ مرموقة ذات راتبٍ وفيرٍ كافٍ لزواجى فى سن مبكرة، من بكر لعوب لا تخجل عند النوم من عريها فترتدى أخف الثياب مثلما تفعل الممثلات الشهيات فى أفلام السينما. وكنتُ طبعاً سأنجب أطفالاً، وأشترى فى منتصف عمرى سيارة وأدهن شقتى الباهتة هذه كل عام بألوان أنصع. لا، كنتُ سأنتقل للعيش فى شقةٍ أخرى، أرحب، ليمرح فيها أطفالى فى النهار وأتهنَّى فى غرفة النوم ليلاً مع زوجتى. لا، كنتُ سأتزوج مرة أخرى عند بلوغى الأربعين، وأترك لزوجتى الأولى مهمة تنشئة الأطفال، وأعوّضها عنى بمصروف شهرى مُرضٍ. لا، سأحتفظ بزوجتى الأولى فى هذه الشقة، وأستأجر أخرى للزوجة الأخرى لأنعم بالتقلب بين اثنتين وأستمتع بالجمع بين دفء حضنين. يوم هنا، ويوم هناك.. الحضن مهم، وما بعده أهم، وأنا لم أعرف مع «رئيفة» هذا القبل ولا ذاك البعد، فهى لم تقم يوماً باحتضانى والمرات الأولى التى احتضنتها فى بداية زواجنا، استسلمت كفريسة مرهقة وخنعت طائعة فزهدت فيها.. مسكينة، كان يقيد الخجل كل خطاها.

لو كانت لى زوجتان، لاستمتعت كل ليلة بما يكون بينهما من تنافس لإرضائى. ولكنت قد عملت بحسب الشرع الداعى إلى العدل بين الزوجات، فكنت أداعب هذه بطريقة وأداعب الأخرى بطريقة أخرى. وكنت سآخذ هذه إلى رحلة خلوية مرة، وفى المرة التالية أصحب الأخرى، وأهدى إليهما قبل الرحلات الأثواب المثيرة المناسبة لما قبل النوم، المُذهبة للنوم من عين الزوج. كنت سأسهر معهما كل ليلةٍ، أو فى معظم الليلات وأرتاح أحياناً حتى لا يصيبنى منهما الملل.. يا سلام..

***

ضوء الظهيرة ساطع من خلف نافذة الصالة، لا بأس الآن لو خرجتُ إلى جلستى المعتادة بالشرفة، فالطقسُ لم يعد بارداً مثلما كان. لن أطيل الجلوس، يكفينى البقاء ساعتين حتى تعود «يسرة» من مدرستها وترفع نحوى ابتسامة الظهيرة، وأبقى بعد ذلك ساعتين أو ثلاثا لأشهد احتشاد الزقاق والحارتين بالسكان ساعة العصر، وإن جاء المساء محتمل البرودة فسوف أبقى جالساً مستأنساً من بعيد بالعابرين، حتى يدق البرد أبواب عظامى، فأحتمى بجدران الصالة أو أتمترس تحت لحاف السرير.

غداً، سيكون يوماً مشهوداً. فسوف أخرج صباحاً لشراء ما سوف أحتاجه لأبقى حياً ثلاثة أيامٍ أخرى: عشرة أرغفة وكيس كبير فيه فول مدمس، وعلبة من عجين الفلافل، وقطعة من الجبن القريش وأخرى براميلى، وعشر بيضات، ولتر حليب. ولا بأس ببعض الخضروات خفيفة الوزن، والطماطم والخيار. هذه لوازم حياتى الخاوية، التى كانت من يومها خاوية، وستبقى كذلك ما بقيت حياً.

هل أنا حقاً حىّ!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
انتقل الى:  

حفظ البيانات | نسيت كلمة السر؟

هوانم نوسا | عفاريت نوسا البحر google+ | عفاريت نوسا | مجلة الصور | مجلة عفاريت